لأول مرّة يرتبط الاستحقاق الرئاسي اللبناني بالاستحقاق الرئاسي السوري، رغم الطبيعة المختلفة كلياً لكل منهما، واختلاف طبيعة الرئاسة نفسها وصلاحياتها ومدّتها وظروفها وأسلوب انتقالها في البلدين. هذا الافتراق بدأ بعد فترة وجيزة من استقلالهما عن فرنسا، فكيف بالأحرى اليوم بعد أن تحوّلت الرئاسة السورية التي ورثها الطاغية الابن عن الطاغية الأب إلى عنوان شامل لعمليات قمع شعب منتفض وإدارة حرب أهلية وتدمير مجتمع ودولة واقتطاع مناطقها للميليشيات «الصديقة«.
أمّا الرئاسة اللبنانية، فهي رغم أعوام الحرب الطوال ثم الوصاية السورية المرهقة والأزمة الأهلية المتمادية التي تلتها، لم تفارق شكلانية النظام البرلماني، بل على العكس، فقدت صلاحيات كانت ترفعها فوق النظام البرلماني البحت.
فما الذي يجمع الاستحقاقين اليوم؟ ليس أقلّه أنه، في وقت سقط فيه ما كان يعرف بـ»المارونية السياسية» فإن رئاسة الجمهورية ظلت معقودة اللواء للموارنة، وبقي الإشكال القائم بعد اتفاق الطائف يتمحور حول كيفية الجمع بين سحب صلاحيات كانت لهذه الرئاسة وبين الإتيان باسم ماروني قويّ إليها. ومن جهة ثانية كيفية التوفيق بين النص الدستوري الذي يحول دون تجديد الولاية وبين عدم وجود حاجز مماثل في ما عنى الرئاستين الثانية والثالثة. وتضاف إليها إشكالية تحوّل قيادة الجيش إلى ولاية للعهد في الجمهورية اللبنانية.
أمّا في سوريا، فإن طائفية نظامها «العلماني» الضمنية، الباطنية، لم تكن لتقارن مع الطائفية «السياسية»، النافرة والممأسسة لبنانياً، إلا أنها، صارت مع الوقت أكثر تمحوراً حول هيمنة طائفة بعينها، هي طائفة الرئيس والمفاصل العسكرية الأساسية للنظام. وبنتيجة الثورة والحرب صارت الأمور أكثر افتضاحاً، وبات النظام يباهي بطبيعته «الأقلوية» كمصدر لشرعيته، وهذه عجيبة الدهر، لأن الأنظمة، ديموقراطية كانت أو ديكتاتورية، تنسب لنفسها، عادة، شرعية «الأكثرية«.
قبل اليوم، لم يكن مقدوراً أن يرتبط الاستحقاق الرئاسي اللبناني بذلك السوري، لأنّ الرئاسة مدى الحياة ثم الموروثة كانت تظهر بمظهر «القدر» في سوريا. أما اليوم، فالسؤال يطرح نفسه عن كيفية ومدى تغطية روسيا وإيران لـ»ترشيح» بشار الأسد نفسه لولاية جديدة، وجدوى كل المفاوضات في هذه الحالة، وأثر ذلك على مجرى الحرب. وفي المقابل، يجري النظر إلى الرئاسة السورية تبعاً لثنائية «الامتياز – الضمانة» على الطريقة اللبنانية، إنما للطائفة العلوية التي تمثل أقل من ثمانية بالمئة من السكّان. هذا مع الاستطراد بأنه في نظام تسلّطي أو استبدادي يكفي أن يكون رأس هذا النظام من أقلية عرقية أو دينية أو مناطقية معينة كي يحسب هذا النظام على هذه الأقلية أو هذه الأقلية على النظام. عندما يجري تناول المسألة الرئاسية سورياً فنحن ندخل في العمق الطائفي للمشكلة السورية.
لبنانياً، ستفرض الوجهة التي سيأخذها الاستحقاق الرئاسي السوري إيقاعها على معركة الرئاسة والخيارات. هذا بالتوازي مع بعد «وجودي»، حيث إن الرئاسة في سوريا تطرح «المسألة العلوية» في حين أنها في لبنان تطرح «المسألة المارونية«.
المسألة العلوية تعني من جملة ما تعنيه كيفية عدم خسارة العلويين للسلطة كما «خسرها» الموارنة لبنانياً بنتيجة الحرب، وصعوبة الحفاظ في السياق السوري على الموقع الأول في الدولة ولو جاء مخففاً من صلاحياته، كما في النموذج الماروني. أما «المسألة المارونية» فهي تعني رئاسياً اليوم، وجوب ألا يؤدي الاستحقاق الرئاسي الحالي الى فراغ يمكنه أن يهدّد ديمومة هذا المنصب للموارنة، وألا يزيد كل استحقاق رئاسي من درجة تبعية الموارنة، منشطرين في ما بينهم، للطوائف الأخرى.