أخطبوط الإرهاب يتلاعب بأعصاب اللبنانيين، يقتلهم بتفجير إجرامي، يحصد أبرياءهم، يخطف أرواح أطفالهم، يرعب نساءهم ويقضي على بقية باقية من عقولهم، نتيجة ما شهدوه وما يرونه أمام أعينهم عبر الشاشات التلفزيونية من مشاهد مخيفة، تزيد من حالة القلق التي يعانونها وتدفع بهم تارة الى صراخ موجع وتارة الى كتم الألم في القلب الذي قد ينفجر أيضاً في لحظة تعبيراً عن عدم القدرة على الاحتمال، أو دليلاً على احتجاج مكتوم، والسبب أن من يجب أن يسمع يدير الأذن الطرشاء، وأن من يجب أن يبادر يقفز فوق مشاعر الناس ويدخلهم في آتون من جهنم، يضعهم لقمة سائغة في فم القاتل في سوريا وفي متفرعاته في لبنان.
اللبنانيون الذين تنفسوا الصعداء مع تشكيل الحكومة الجديدة، لم يرتاحوا، ها هم يسقطون من جديد ضحية الإرهابيين أياً كانوا. فالذين ضلوا الطريق لمواجهة العدو الإسرائيلي، وظنوا أن طريق فلسطين تمر في دمشق والقصير ويبرود ويصرّون على عدم التراجع عن الخطأ التاريخي أو القاتل كما أعلن النائب علي عمار أمس من أن «حزب الله» لن ينسحب من معركة قرر وجوبها على المستوى الاستراتيجي»، فيما التنظيمات الإرهابية التكفيرية التي يستحضرها النظام السوري غب الطلب الى الساحة اللبنانية أو العراقية أو غيرها لتفجير الشرق الأوسط من أجل عدم إسقاط الأسد، ليقاتل بها الحلفاء والأعداء على حد سواء تفعل فعلها في الأبرياء وتنتقم ممن ليس بيدهم حيلة.
فاضت مشاعر اللبنانيين بالأمس على «الفايس بوك»، كلٌ يصف الحدث على طريقته. تعليق سياسي، إنساني، صورة، خبر، التفاعل بين الجميع قائم، ولكن هل اللقاء ممكن؟ وكيف تتكوّن القناعة المشتركة من أجل حماية لبنان؟ قد يكون الأمر صعباً لكنه ليس مستحيلاً، إذا اشتغل العقل لا الغرائز الطائفية.
يكتب الفنان زياد عيتاني قصة الفتى حسين يقول: «على بعد أمتار من مكان الانفجار، هناك سوبرماركت بمقهى بسيط، داخلها يعمل حسين كصبي «ديليفيري»، يحمل الأغراض على دراجته وأحياناً «الكرتونة» التي يضع فيها أكواب النسكافيه والقهوة. حسين قصير القامة، يرتكب الحماقات الصبيانية ويثير غضب رب عمله وضحكات الزبائن، صبي «مهضوم بقفشاته»، لا يحسن الكلام المفيد. اتصلت والدته بصاحب المحل تسأل عنه فأجابها مازحاً: «لك هياه هون مثل القرد، دخيلك شو هالشتلة يعني». أجابت الوالدة: «حسين هوّي معيشتي، هيدا يلّي شايفو هيك معيّش عيلة». يعلّق زياد: «حسين على دراجته النارية يعيل والدته وأخوته، قصة من قصصنا التي ربما تنتهي كما انتهى بعضنا اليوم».
يكتب كامل صالح على صفحته: «طلع الانفجار في وجهي، أنا بخير، عائلتي بخير، أهلي بخير، أعصابي «فارطة»، لنا الله فقط، إبني مروان نسي رسم السنجاب بالبيت في الجبل، قلت لنفسي لأذهب عن طريق السفارة الكويتية أأمن من طريق المطار القديم لأوصل «الرسمة» لإبني في المدرسة، فجأة اهتزت بي السيارة، دخان كثيف في وجهي، السيارات أمامي تروح يميناً ويساراً، بت عالقاً في الوسط، لا أعرف ماذا أفعل، حاولت أن أتصل بزوجتي في المدرسة لأنني ظننت أن الانفجار قريب منها، لا اتصالات، حاولت أن أتصل بعائلتي لأطمئن عليهم في الضاحية، لا اتصالات، حاولت وحاولت ولم أعد أقوى على شيء سوى البكاء».
أما الدكتورة جمال القرى، فتشير الى أنه «في مبنى المستشارية الإيرانية تقع صيدلية يعمل فيها موظفاً زوج إحدى معارفي، اطمأنيت عليه بعد جهد جهيد، ولأعلم أن دوامه يبدأ في وقت متأخر، أما صاحبة الصيدلية وهي من عائلة اللبان، فقد كانت متواجدة بداخلها «زمطت» من الموت بأعجوبة على ما قاله زوجها، تحطمت الصيدلية بكل محتوياتها وتناثرت أشلاء بشرية على بابها».
إنها قصص يتداولها الناس، فيها مشاعر مكتومة، لكنها معبرة، أما الغضب من التفجيرات وأسبابها فيعكسها آخرون، فيكتب محمد المقداد «الشيعة ليسوا حطباً لتحرقهم يا حسن نصرالله، «فهام بقى»، صار في موت وحقد وإجرام غير موصوف، إنزل عن صهوة الحصان الإيراني و«شوف» الرعب في عيون الناس، كفى انتصارات وهمية على حساب أرواحنا، صرنا نخاف إذا عرفونا شيعة بيتهمونا «فيكن»، أنا ولا مرة كنت طائفياً ولن أكون إرهابياً ولكن كيف يمكن أن أقنعه انني أنا وغيري بريئين من أفعالكم المشينة، دمرتنا».
أما مروى عليق فتكتفي بالتعليق: «14 انفجاراً، أكثر من 1000 شهيد وجريح، علي عمار: «لن ننسحب من سوريا»، أما آن لهذه القاعدة الشعبية ان تنتفض على جلاديها»؟!! وتضيف في تعليق آخر: «أنا من الجنوب وما بدي قاتل بسوريا وما بدي يتفجروا اهلي وناسي فدا اجر حدا أو كرمال الأجندة الايرانية وعيون نظام بشار الاسد المجرم وهالعالم كلها مثلي».
ويتوجه عماد قميحة الى مجرمي عبد الله عزام بالقول: «أنا مقتنع انكم تستهدفون المستشارية الايرانية بسبب مشاركة «حزب الله» بالقتال في سوريا، ولكن كيف يمكن ان تقنعوني ان هذا يكون عبر قتل الابرياء، لعنكم الله ولعن كل قاتل».
أما خديجة ايوب فتلاحظ أن المجرمين «يأتون على حين غفلة يسرقون الحياة من أطفال رضع ما اقدموا بعد على ايذاء نملة، ذئاب يأكلون لحوم الايتام باسم الدين .. سارقو الحياة الكفرة يقتلون العمال الفقراء بعيون باردة، إرهابيون يقتلون رجال الأمن والمدنيين الابرياء والباحثين عن لقمة العيش باصرار لا يعرف النوم». وتشدد على وجوب «ارسال أجهزة حديثة لمراقبة السيارات المفخخة العابرة للحدود»، خاتمة بالقول: «عيون القوى الأمنية عيوننا».
أما حسين حركة فيعلن ثقته بأن «الذين ماتوا أكانوا مثلنا يفكرون في انهم لا يريدون الموت من أجل فلان أو «صرماية» علان، وانه لو كانوا يقولون «لبيك» وجاء أحدهم وقال لهم هناك فرصة سفر بعيداً عن هذا البلد لكانوا قالوا له «شكراً».
تكتب فرح شقير أيضاً تعليقاً إنسانياً معبراً عن حال العاديين من الناس، تقول: «احقر شعور ما اشعر به الآن، منذ مدة وأنا أنتظر انفجاراً جديداً ينشلني من حالة التوتر والقلق التي أمر بها، تأخر الموعد وازداد قلقي وخوفي على الاصدقاء والعائلة، وعند كل مغادرة لمنزلي أشعر بأن السيارة التي بجانبي قد تتفجر في أي ثانية ولا شيء يبدد قلقي ولو قليلا غير سماع دوي انفجار جديد، نعم، أشعر بحزن عارم، ولكنني اشعر براحة داخلية. نعم أغضب وأحزن عند رؤية الجثث والجرحى، وخاصة الأطفال منهم ولكنني أشعر براحة داخلية لا اعرفهم ولا يعرفونني، راحة داخلية تدوم يوم، يومين،.. بانتظار اقتراب الموعد الجديد.. وحقارة جديدة».
وسط كل هذا يستنتج علي حسن سلامة بأن «عملة الارهاب واحدة، ذات وجهين، «حزب الله» والميليشيات الشيعية من جهة و«داعش» وأخواتها من الجهة الأخرى».
عبارات الحمد الله على السلامة تتكرر عن اشخاص يحكون عن عبورهم المنطقة وهم ذاهبون الى اشغالهم. تضع الزميلة عليا ابراهيم صورة ذلك الطفل الذي يرسم وجهه على شكل قط محمولاً على يد أحد رجال الأمن، كان يحتفل بعيد ميلاده بين رفاقه في المبنى التابع لدار الايتام الاسلامية وفي عينيه تجمعت دموع الخوف، وتكتب العبارة التالية: «هالولد بيشبه كل اللبنانيين من كل الطوائف. في لعبة العنف كلنا أيتام».