كتبت رينا ضوميط في صحيفة “الجمهورية”: “حَرموني أطفالي الثلاثة ولا أقرباء لي هُنا في النروج. أُصِبتُ بانهيار عصبي ودخلتُ المستشفى”، بهذه الكلمات تختصر كاتيا غزال معاناتها لـ”الجمهورية”، بعدما منحت “جمعية حقوق الطفل” النروجيّة أطفالها لعائلتين نروجيّتين.
بألم وحسرة تبكي كاتيا، ابنة الـ24 عاماً، أولادها: لميس (5 أعوام)، أليس (4 أعوام) وألكسندر-علي (16 شهراً)، الذين أخذتهم جمعيّة حقوق الطفل بالقوّة، بحجّة أنّها وزوجها ليسا أهلاً لتربيتهم، والسبب حفّاضٌ ترَكَ آثاراً على جسد ابنتهما البِكْر. فلميس “انزعجت من الحفاض ما اضطُرّها للحَكّ ما خلّفَ آثار أظافر على جلدها”.
فمُنذ 24 عاماً تقريباً، يعمل معين القرعون في مجال تلحيم الحديد في النروج، وفي آب عام 2010، توَجّهت كاتيا مع ابنتيها إلى هناك لتكون قربه.ولكنّها لم تكُن تدري ما يُخبّئه القدر لها، وكم أنّ الحياة ستكون قاسية معها.
وتقول كاتيا: “كان أولادي الثلاثة يرتادون دار حضانة في منطقة “ارندال”، ولم أكُن حينها أواجه أيّ مشكلة، حتّى انتقلتُ في الأوّل من آب من العام الفائت إلى منطقة “كريستيان ـ ساند»” حيث تُساعد البلديّة العائلات في اختيار دور حضانة لأولادهم، وتتكفّل بالمسائل الماليّة. وتُضيف: “الحضانة التي اختارتها البلديّة لأولادي، كانت تضمّ أطفالاً مُعظمهم أجانب، ومُنذ شهرَين بدأ أولادي يرتادونها، وكان كلّ شيء طبيعياً حتّى السابع من شباط الجاري”.
فلميس بكر العائلة، كانت لا تستطيع التحَكُّم بِبَولها، ولم يكُن مسؤولو الحضانة يعلمون بمُشكلتها، حتّى إنّهم لم يسألوا الوالدة إن كانت الطفلة تُعاني مُشكلة معيّنة، وعندما رأوا موضع الحفّاض، اتّصلوا بجمعيّة حقوق الطفل التي أخذت الطفلة إلى المستشفى ليُعاينها طبيب متخصّص، من دون أن يعلمَ ذووها بالأمر، وفقَ ما تروي كاتيا، مُشددةً على أنّ “الطبيب أكّد عدم تعرُّض ابنتها للضرب”.
وتتذكّر كاتيا ذاكَ “اليوم المَشؤوم”، حين ذهبت مع زوجها لإحضار الأولاد من الحضانة، وأصيبت بالذهول لدى خروج أليس وألكسندر-علي من دون شقيقتهما البكر لميس، فسارعت للسؤال عنها، ليُطلَب منها الذهاب إلى مكتب الطوارئ في قسم الشرطة.
“الأولاد ضائعون بين اللغة العربيّة والنروجيّة، وعندما طُلبَ منهم الرسم، رسموا صوراً لي من دون والدهم، ما دفعَ مكتب الطوارئ الى منعهم من العودة إلى المنزل، ووضعوني أمام خيارَين: إمّا أن أذهب معهم الى مركز مُتخصِّص حيث سيوضَع أولادي، أو يأخذونهم منّي. فرَضختُ للواقع المرير وتركتُ منزلي في ذلك اليوم لأكون قرب أولادي”، على ما تروي كاتيا، موضحةً: “في اليوم الأوّل داخل المركز، بكى الأولاد حتّى “شبعوا” إذ إنّهم يريدون رؤية والدهم. وفي اليوم التالي، صادفنا امرأة نيجيريّة كانت قرب غرفتنا وتصرخ بصوت عالٍ، وبقيَت حتى الثالثة صباحاً على التلفون، ما منع أطفالي من النوم، وعندما طلبتُ من المعنيّين إسكاتها، قالوا لي: إذا أنتِ لستِ قادرة على جعل أولادك ينامون، فلستِ إذاً أهلاً لتربية ثلاثة، وهذا ما أوردوه في تقرير أعدّوه لاحقا». وبعدَ يومين من الحادثة، عادَ الأولاد إلى دار الحضانة، وهنا كانت المفاجأة، إذ أُعطيَ الصبي لعائلة نروجيّة، أما الطفلتان فوُضعتا في منزل عائلة أخرى، وأوهموهما بأنَّها عائلتهما الحقيقيّة.
كاتيا التي لا تعرف معنى النوم، تشدّد على أنّ “لا معنى لحياتها من دون أطفالها”، مُشيرةً إلى أنّ “مسؤولين في مكتب حقوق الطفل اتّصلوا بها وبزوجها، وسمحوا لهما بمقابلة أولادهما لمدّة ساعتين”، و”ما كان علينا إلّا الذهاب لرؤيتهم، ولكنّنا صُعِقنا بما رأيناه، فالأولاد لم يكترثوا لنا وكانوا يلهون بالألعاب التي أعطيت لهم»”تقول بتأثر بالغ. وتُضيف: “ولادي مش ولادي يلّلي بعرفُن، ولم يَعُد هناك لهفة بين الأخوة ولا حتّى لهفة لنا”.
كاتيا التي تعاني الأمرّين في غياب أولادها الثلاثة، لم تجد ملاذاً إلّا في وطنها، فاتّصلت بوزير الشؤون الاجتماعيّة السابق وائل أبو فاعور وبوزير الخارجيّة السابق عدنان منصور، اللذين أبديا استعدادهما للمُساعدة على حَلّ الملف، فطُلبَ منها اللجوء إلى السفارة اللبنانيّة في السويد لمُساعدتها في إعادة أولادها إلى حضن عائلتهم الحقيقيّة.
وفي هذا الإطار، أشار منصور في حديث لـ”الجمهورية” إلى أنَّ كاتيا وزوجها توَجّها إلى السويد لمقابلة السفير اللبناني، بعدما كنتُ اتّصلتُ به ليوفِّر لهما كلّ عناية ورعاية لحَلّ هذا الموضوع. وإذ أسِفَ لما حصل، لفتَ إلى أنّ “هذا الموضوع يثير القلق، في اعتبار أنَّ الاولاد يُحرَمون من والدتهم، وهذا لا يجوز”.
وأوضح منصور أنّ “الوالدين سيُكلّفان مُحامياً لمتابعة الإجراءات، فيما السفارة اللبنانيّة ستبذل كلّ ما في وسعها في هذا السياق”. وكانت كاتيا وزوجها قد أوكلا محامياً لمتابعة قضيّتهما، فتبيَّن له لاحقاً أنّ ما قامت به الجمعية لم يكن قانونيّاً، فضلاً عن أنّ تقرير الطبيب في المستشفى أثبت صحة كلام الأم، ويُشير إلى أنّ «لميس تُعاني جرثومة MRSA وكانت تعالج منها”.
وهنا تخبر كاتيا ما حصل معهما عندما اتصلا بالسفارة اللبنانية في السويد، وقالت: “اتصلنا بالسفارة وقلنا لهم إننا مِن قبل الوزيرين منصور وأبو فاعور، طالبين التحدث الى السفير، والجواب في كل مرة هو “السفير خارج البلاد. وأعلنت كاتيا أنّ “الجمعية أعادت أطفالي إلى المنزل، بعدما تبيَّن أنّنا لم نتخطّ القانون”، مُشيرةً إلى أنّها “ليست مرتاحة لما يحصل، طالما أنّ موفدي الجمعيّة لا يزالون يزورونا بطريقة مُفاجئة بحجّة أنّهم قلقون على الأطفال»، لافتةً إلى أنّ “الملفّ لم يُقفَل حتّى الآن”.
كاتيا قرّرت العودة الى لبنان بعدَ إبلاغ المحامي، لكنَّ الأخير رجَّح أن تكون الجمعية قد وضعت أسماء الأولاد في المطار لمنعهم من السفر.
وَختمت كاتيا: “في النروج، يأخذون الأولاد الأجانب من عائلاتهم، لمنحهم إلى عائلات نروجية، ذلك أنّ الزواج المثلي “دارج في البلد” ما يعني أنّ هناك تراجعاً في نسبة الولادات”.
