ذهب لبنان الى مكان بعيد او بالأحرى سحيق، عندما انزلق الى المستنقع الذي يدمّر سوريا ويهدد بإشعال المنطقة التي تغلي فوق بركان من الاحقاد والكراهيات يهدد بقيام فتنة مذهبية بغيضة.
عندما كان لبنان ينزف امس في بئر حسن بعد الانفجارين الارهابيين اللذين ضربا الابرياء كالعادة، كانت بغداد تئن بدورها من انفجار 14 سيارة مفخخة، لهذا بدا من الضروري استجلاب جروح العراق المزمنة في سياق الحديث عن جروح بيروت المتصاعدة، توصلاً الى استنتاج واضح وهو ان الاجرام الذي يضرب هناك منذ 11 عاماً، يستطيع ان يضرب هنا بالوسيلة عينها، أي بالانتحاريين الذين عجزت دول وانظمة حديدية عن وقف جرائمهم.
أهم لا بل أخطر من هذا، ان لبنان في وضعه الحالي لن يتمكن من وقف هذا المسلسل من الجرائم الفظيعة، وخصوصاً عندما نتذكر ان 150 الف جندي اميركي اضافة الى 200 الف جندي عراقي، عجزوا منذ اعوام عن وقف الانفجارات التي تمزق العراق، فكيف بالوضع عندنا وسط الانقسام المتزايد بين اللبنانيين ومع استضعاف الدولة؟
التفجيران في بئر حسن ليسا رسالة الى حكومة “المصلحة الوطنية” كما قال تمام سلام، انهما رزمة جديدة وصلت في سياق البريد الاجرامي الذي لن يتوقف غداً، فالقصة ليست قصة حكومة انقلاب ذهبت وحكومة بداية تفاهم حلّت محلها، بل هي قصة بدأت عبر غرق لبنان الى رقبته في المستنقع الدموي السوري، وتطورت الى درجة ادخال لبنان مرغماً الى نفق الصراع المذهبي المظلم، الذي لم يعد يقتصر على يوميات الصراع الرهيب في سوريا، بل اصبح يمتد عبر نقاط اشتعال وكراهيات من موريتانيا في الجنوب الغربي الى اقاصي باكستان في الشمال الشرقي، مروراً بافغانستان والعراق واليمن وبعض نقاط الاحتكاك الخطر في الخليج.
سيكون من السخف والهامشية وضع الحكومة الجديدة على محك التجربة، في اطار من اللعبة السياسية الرخيصة والممجوجة، التي سبق ان سوّقتها الادارة السورية الطويلة للبلد وجعلت منه ممسحة ومن معظم سياسييه ومسؤوليه مسخرة، وسيكون من التفاهة القول غداً [سيقال بالتأكيد] ان حكومة “المصلحة الوطنية” عاجزة ولم تستطع وقف العمليات الاجرامية.
أهم من هذا سيكون من العبث المراهنة على حلول لهذه المشكلة الخطيرة التي تهدد دول المنطقة، خارج اطار انسحاب حقيقي لجميع القوى اللبنانية وفي مقدمها “حزب الله”، ليس من المستنقع الدموي السوري فحسب، بل من الرقص على قرع طبول الأحقاد السنيّة – الشيعية التي تضج من المحيط الى الخليج.
المطلوب عزل لبنان عن المذهبية والطائفية والنار السورية ووضعه داخل قلعة الحياد، كي يستطيع ان يحمي نفسه وان يقدم للمتصارعين نموذجاً عن فضيلة التعايش وقبول الآخر.