#adsense

حق العودة إلى لبنان

حجم الخط

قبل نحو ثلاثة أعوام شد «حزب الله» قطار «مقاومته» نحو الداخل السوري. ورَّط لبنان. أدخله في متاهة ودوامة الحرب السورية. أحضر دب الجماعات التكفيرية الى لبنان. تعنت، رفض، استكبر، والآن يطلق قطاراً جديداً الى يبرود السورية، مجدداً حماية لنظام بشار الأسد، وإن كان عبر مواجهة الجماعات التكفيرية كما يدعي.

في لبنان، ورغم دعسات الحزب الناقصة، تشكلت الحكومة. جامعة، بوصفها تضم معظم المكونات السياسية باستثناء «القوات اللبنانية» وبعض مستقلي قوى الرابع عشر من آذار. حكومة لم تفلح في الوصول الى مرحلة الوحدة الوطنية، فبقيت في إطار «فك الاشتباك» و«المصلحة الوطنية».

بعيداً عن الجدال العقيم في ظروف التشكيل والانتقادات التي وجهت الى أقطاب السياسة الذين مهدوا للولادة القيصرية للحكومة، محطات إقليمية ودولية مهدت أو على الأقل شكلت دافعاً، نحو إبصار حكومة الـ11 شهراً النور.

الموقف الدولي الداعم والمحفز والمشجع، للولادة الحكومية، بدا في الفترة الأخيرة مرحّلاً الملف اللبناني الى أدنى سلم أولوياته. الرئيس الأميركي باراك اوباما أمامه اليوم الملف النووي الإيراني. وضعه نصب أعينه. يسعى إلى حله قبل انتهاء ولايته. ويضغط لمنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من توجيه ضربة عسكرية إلى إيران. إسرائيل تبدو مستفيدة من الواقع السوري المضطرب والحرب المشتعلة من حلب الى درعا. روسيا اعادت فرض شروطها، وكرست نفسها للمرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي لاعباً دولياً يحسب له حساب. الولايات المتحدة الأميركية لا تزال بحسابات الورقة والقلم ضابط ايقاع يأخذ في مناطق أخرى ما يتنازل عنه في الميدان السوري، تحديداً في الملف الكيماوي السوري والنووي الإيراني. أما إيران وإن حيّدت عن «جنيف 2» إلا أن الأزمة السورية، سحبت من يديها بعض الأوراق المهمة، لكنها أضحت قاب قوسين او ادنى من دخول ملعب الشراكة الدولية والمشاركة في إلتهام الجبنة الإقليمية.

بالنسبة إلى إيران اليوم، الورقة اللبنانية هي الأقوى. جوكر إن صح التعبير. في لبنان نحو ثلث سكانه هم من أتباع الطائفة الشيعية. في السلطة هم ثلث أيضاً وأكثر وإن كان النظام مناصفة. بحسابات القوة، «حزب الله» الذي تسيره بقرارات منها، هو الأقوى في الملعب اللبناني، وأبعد من ذلك، وصولاً الى سوريا.

هذه الأوراق مجتمعة، تدرك إيران أنها أهم ورقة لديها في المنطقة. الحفاظ عليها يقتضي الحفاظ على لبنان، من هنا جاءت تسهيلات التأليف الإيرانية، معاكسة للحرد السوري. الورقة الإستراتيجة هذه لا يمكن أن تكون في مأمن في ظل بقاء «حزب الله» خارج لبنان، عندها يصبح قوة واهية معرضة للزوال، بغض النظر عن الزمان.

لا تزال «البراغماتية الإيرانية» ناشطة سياسياً. تتحكم بالقرارات الصادرة من طهران. التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية، والتنازلات المقدمة نووياً، لا تصب سوى في خانة تأكيد استمرار هذه البراغماتية. «حزب الله» ليس سوى صورة منمقة عن السياسة الإيرانية. تنازله في الملف الحكومي يشبه الى حد بعيد سياسات ولي الفقيه في إيران.

صدى السياسات الإيرانية، يتردد من طهران الى بيروت، في ملفات عديدة، وبغض النظر عن الموقف السوري، الذي لم يعد مقرراً في محور الممانعة بل متلقياً ومنفذاً، وإن كان لا يزال يمسك أوراقاً أمنية، في لبنان تحديداً، فقد دخل «حزب الله» في الحكومة. لا يهم إن كان دخول المنتصر أو باني الصفقات، الأهم أن الحكومة أضحت واقعاً أعاد «حزب الله» سياسياً على الأقل الى الداخل اللبناني وبغطاء إيراني واضح. غطاء قد يكون مقدمة لبراغماتية إيرانية جديدة تحيكها في محاولة للانفتاح على السعودية.

واقع التورط في سوريا، بأوامر إيرانية، لا يبدو أن زمنه انتهى، بالأمس خرج السيد نصرالله، ليكرر الاستكبار. باقون في سوريا قال، من دون أن يحدّد سقفاً زمنياً لإنهاء ما بدأه. في خطابه بدا على دراية أن الواقع السوري قد يطول، قد يصبح أكثر دموية، وحده، إلا أنه أصر على البقاء هناك. أشاد بتونس، بديمقراطيتها، بمنعها القتال في سوريا خوفاً على أمنها، انفتح على مواقف أكثر جرأة على السعودية، تحديداً إصدارها قانوناً يعاقب ويمنع تصدير المقاتلين الى سوريا.

بالامس عادت لغة الارهاب. التفجير الانتحاري، التوقيفات الاخيرة… تشكيل الحكومة، التقارب الحاصل بين اكثر من فريق، لم تحل دون تجنيب البلاد والعباد، السير في جنازات جديدة.

ومع ذلك كله، لم يصل «حزب الله» الى درجة إعلان العودة العسكرية الى لبنان، والى الجنوب، والى الحدود، وإعادة نفسه الى الدور المرسوم له، أي قتال اسرائيل. قرار القتال في سوريا ليس»one way ticket». على «حزب الله» أن يشدّ رحاله الى بيروت. وتبقى العودة إلى بيروت…

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل