نظمت كلّيّة الحقوق وكلّيّة الهندسة وكلّيّة الفنون الجميلة والفنون التطبيقية في جامعة الروح القدس – الكسليك مؤتمرًا حول “إجراءات السلامة في مواقع البناء: نحو قانون لبناني حديث”، في حضور رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ، نقيب المهندسين في بيروت المهندس إيلي بصيبص وأعضاء مجلس النقابة، عميد كليّة الهندسة المهندس باسكال داميان، وعميد كليّة الفنون الجميلة والفنون التطبيقيّة الدكتور بول زغيب والعميد المشارك في كليّة الحقوق الأب الدكتور طلال هاشم ، إضافة إلى أعضاء مجلس الجامعة والأساتذة والطلاب.
استهلت الجلسة الافتتاحيّة بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه كلمة للعميد المساعد في كلّيّة الحقوق الأب طلال هاشم، قال فيها: “بات التقدم التقني والضغوطات التنافسية الحادة تؤدي إلى تغييرات سريعة في ظروف العمل وسيره وتنظيمه. غير أنّه علينا ألّا نضحي بالصحة والسلامة في مكان العمل. وفي هذا المؤتمر، سنركز على الصحة والسلامة في ورش البناء نظرًا إلى حجم النشاطات العقارية الهائلة التي يشهدها لبنان”.
وأضاف: “يُعتبر القانون لاعبًا أساسًا في هذا الإطار ولكنه لا يكفي لمواجهة المخاطر المحدقة بالعمال في ورش البناء العملاقة. لذلك، اشتركت ثلاث كليات من الجامعة في تنظيم هذا المؤتمر”.
ثم تحدث نقيب المهندسين في بيروت المهندس إيلي بصيبص الذي بدأ كلمته بتوجيه تحيّة إلى الطلاب “الذين هم مستقبل لبنان”، مشيرًا إلى أنّ لبنان مرّ تاريخيّا بظروف صعبة إلا أنّ لبنان هو للمستقبل وليس للماضي. وفي موضوع السلامة العامّة، أشار بصيبص إلى “أنّ مفهوم السلامة العامّة كان غريبًا منذ ثلاث سنوات وقد عمدت نقابة المهندسين إلى البحث فيه وفي إمكانيّة تطويره، قائلاً “السلامة العامّة هي ثقافة أكثر منها نصوص، تترتّب عنها مسؤوليّات تتوزّع بين المهندس، العامل، المالك وغيرهم، هي موضوع عامّ ومشترك بين متداخلين عدّة أوّلهم المهندس”. وتحدّث بصيبص عن تداخل بين السلامة العامّة والقانون وهذا الأخير يحددّ شروط السلامة العامّة. كما أنّ قانون البناء الحالي يتطرّق إلى السلامة العامّة في مواد قليلة منها المادّة 18 منه التي تقول إنّ إذا كان هناك بناء معرّض للسقوط، ولم يتحرّك مالكه لتأهيله، فعلى السلطة التنفيذيّة في البلديّة التحرّك لهدم الأجزاء المعرّضة للسقوط. ويشرح بصيبص أنّ الشقّ الأوّل من هذه المادّة يتعارض مع قانون الإيجار الذي يحددّ واجبات المالك، والشقّ الثاني منها لا يذكر من الذي يحدّد لرئيس البلديّة الأجزاء التي من الممكن إزالتها. وشددّ بصيبص على “الترابط بين القانون والمواضيع الفنيّة والناحية الاقتصاديّة في موضوع السلامة العامّة”، مضيفًا أنّ السلامة على الورش تشمل الورش جميعها منها ورش الصيانة، ورش البناء، الورش على الطرقات… وتشمل هذه السلامة سلامة العمّال فضلاً عن سلامة محيط الورشة، سلامة الأملاك العامّة وسلامة الغير. وأشار بصيبص إلى أنّ السلامة العامّة تفترض الحفاظ على البيئة في ظلّ التلوّث بالضجيج الذي يترافق مع الكثير من الورش. وعن دور نقابة المهندسين في بيروت، قال بصيبص إنّ النقابة وضعت شروطًا لإنجاز البناء الأخضر وما يرتبط به من شروط لاحترام السلامة العامّة والتشددّ في اعتماد المعايير البيئيّة السليمة، خاتماً بالقول إنّنا لا يمكن أن نصل إلى سلامة عامّة مطلقة، فهذا المفهوم مرتبط بالتطوّر التكنولوجيّ وهو موضوع للبحث باستمرار.
في ختام الجلسة الافتتاحية ألقى رئيس جامعة الرّوح القدس – الكسليك المهندس الأب هادي محفوظ الذي رأى أنه “لكلّ ما يعمل الإنسان جانبٌ أمنيّ. أي إنّ كلّ تحرّك يقوم به، ينخرط في مجتمع، فيكون عليه بالتالي الانتباه إلى عدم إذية الآخر، أيًّا يكن هذا الآخر، لا بل عليه أن يكون ايجابيّا فيفكّر كيف يساعد الآخر في نموّه. وكلّما نما الحسّ الإنسانيّ عند القائم بعمل ما، كلّما تناغمت الأعمال جميعها من أجل خير المجتمع”، مشددا على ضرورة “الانتباه إلى الآخر وإلى سلامته وإلى أمنه، في كلّ عمل نقوم به. هذا ما يفترض التحسّس للخير العام، ويفترض الوعي أنّ نموّ كلّ إنسان يتمّ في نموّ الآخرين حوله”.
وأكد الأب محفوظ “أنّنا في لبنان، بحاجة إلى تنمية هذا الحسّ الجماعي والإجتماعيّ، في الانتباه إلى الآخر وإلى أمنه، في كلّ جوانبه. هو استنتاج قد يدخل الحزن إلى القلب، لأنّ وطننا الحبيب لبنان لا زال بعيدا عن بلدان كثيرة متحضّرة في ما خصّ الخير العام والتنبّه إلى الآخر، كلّ آخر، وخاصّة الأضعف. ولكنّنا، في جامعة الروح القدس، لسنا من دعاة التباكي والتشكّي والحسرة، بل من دعاة الفكر الاستباقي، ومن دعاة رسم الاستراتيجيّات الآيلة إلى نموّ الانسان والمجتمع، ومن دعاة تشخيص النواقص وإيجاد السبيل للمضيّ إلى الأمام…” وأضاف: “أحد وجوه التنبّه إلى الآخر، بل إلى كلّ إنسان، هو الأمن في ورش البناء. من يجول في بلدان غربيّة كثيرة، يلاحظ على الفور الفرق مع واقعنا البنائيّ. العمّال في ورشة البناء والأناس الآخرون الذين ليس لهم علاقة مباشرة بهذه الورشة، يتعرّضون لأخطار عديدة بسبب انتفاء معايير أمنيّة بنائيّة أساسيّة. هدف البناء الذي هو الإعلاء والنموّ والانتقال إلى مكان أفضل، يعود إذا بالانسان إلى الوراء لأنّه يضرب نموّه إذ يهدّد أمنه. بعض ورش صيانة الطرقات الآيلة إلى أمن أكبر على طرقاتنا تنشأ وتنفّذ بطريقة تهدّد هذا الأمن بالذات. لذا نشأت فكرة هذا المؤتمر في جامعتنا، ومدّت الجامعة اليد إلى نقابة المهندسين في بيروت فكان كلّ تعاون مفيد وبنّاء…”
ثم قدّم الاب محفوظ هدية تذكارية للنقيب بصيبص.
ثم انعقدت الجلسة الأولى بعنوان: “القانون اللبناني من حيث السلامة في مواقع البناء: الحالة الراهنة والآفاق”، أدارها الأستاذ في جامعة الرّوح القدس – الكسليك المنهدس ريشار متري، وتحدث فيها كل من الأخصائية الإقليمية في الضمان الاجتماعي أورسولا كولك، رئيس فرع المهندسين المدنيين الاستشاريين في نقابة المهندسين في بيروت المهندس بول حاج، مديرة مصلحة المؤسسات المصنّفة في بلدية بيروت المهندسة جاهدة عيتاني والمهندس في مصلحة المؤسسات المصنّفة في بلدية بيروت مالك الحاصباني.
وتناولت الجلسة الثانية موضوع: “شهادات: مواقع البناء والخسائر المتكبّدة”، أدارها الدكتور رودني ضو، قاضٍ وأستاذ في جامعة الرّوح القدس – الكسليك، وتخللها مداخلات للمؤسس المشارك والمدير التنفيذي لشركة “إيرغا غروب” المهندس إيلي جبرايل، القاضي والأستاذ في جامعة الرّوح القدس – الكسليك الرئيس أحمد الأيوبي، نائب رئيس شركة “أبافي انترناشيونال”، المدير الإقليمي في الشرق الأوسط وبلدان الخليج المهندس نسيب نصر، العضو في اللجنة التنفيذية في شركة “أليانز سنا” (لبنان) المهندس باسم عاصي، وممثّلة وزارة العدل، رئيسة مجلس العمل التّحكيمي الرئيسة هيام خليل.
وبعد المناقشة انعقدت الجلسة الختامية جرى فيها إصدار التوصيات والإعلان عن تقديم اقتراح إلى وزارة الأشغال العامة والنقل ينادي بتأسيس لجنة استشارية تُعنى بصياغة قانون حول السلامة في مواقع البناء.