#adsense

مٍن يبرود إلى بيروت.. مَن يوقف شبح الموت؟

حجم الخط

لم تعد للموت رائحة او لون، فكل الاجساد باتت تُشبه بعضها بعضاً، حتى في طريقة توزّعها على ارض الكارثة وداخل المستشفيات. صورة اصبحت جزءاً من حياتنا، تلازمنا في حلمنا ويقظتنا. موعد يتجدد على الدوام، صوت تفجير يحصد ارواح الابرياء، خرقته اصوات يتيمة كانت تصدح من داخل حافلة وهي تقلّهم الى برّ الامان «كلنا للوطن للعلى للعلم».

في كل مرّة هناك مرّة جديدة. تفجير آخر يحصد أرواحاً ويُخلّف جرحى ودمارا. صوت بتنا نعتاد سماعه. لم نعد نكترث لعدد الضحايا، بعدما تحوّلوا الى مجرّد ارقام ضمن عملية حسابية، تُضاف الى ارقام سبقتها لتزيد على الوجع اوجاعاً اضافية مهمتها البحث عن اشلاء متطايرة بعضها علّق على الشرفات وبعضها الآخر حطّ آخر رحلات عمره على الطرق والارصفة، والدعوات واحدة كما سابقاتها «اجراء فحوص الحمض النووي».

تفجيران انتحاريّان متلازمان بالقرب من مقر المستشارية الثقافية الإيرانية في منطقة بئر حسن التي سبق ان ضربت على يد الارهاب لتصبح اهمية هذه النقطة بأهمية الشارع العريض في حارة حريك الذي استُهدف هو ايضا مرتين متتاليتين. هو الموت ذاته يُستجلب من خلف الحدود مباشرة الى بيروت، وكأنه مسلسل متواصل يُبشر بما هو اعظم وافظع. لا ملامح تدل على قرب نهاية آخر حلقاته، ترافقه في كل محطاته الكارثية، صرخات ما عادت تحتمل الظلم والقهر. الا انها تخشى في لحظات ما ان تتلفّظ بكلمة ما لكي لا تُصبح متهمة او شريكة بالاعتداء.

وللأيتام نصيب من الرعب والخوف. فالتفجيران اللذان وقعا لا يبعدان سوى امتار قليلة عن مؤسسة دار الأيتام الإسلامية الواقعة في المنطقة. طفلة لم تبلغ اعوامها الثمانية بعد، كانت تصرخ اثناء نقلها ورفاقها الى خارج المنطقة، وتستغيث بالقول «يا الله». وطفلة اخرى كانت تبكي في الوقت الذي كان يهم احد رجال الاطفاء بوضعها داخل «الباص» الذي كان بانتظارهم. جملة وحيدة لم تبارح لسانها: «يا ماما»، ليؤكد احد العاملين في المؤسسة ان هذه الطفلة يتيمة الام وانه لم يسبق ان سمعها من قبل وهي تنادي بهذه الكلمة.

مستشفيا الرئيس الشهيد رفيق الحريري والزهراء كانا بالامس الوجهة الرئيسة لنقل الضحايا اليهما لقربهما من مكان التفجيرين. وفي حالة كهذه يُصبح البحث عن اقرباء امراً طبيعياً لا بل مُلزم. ففي الاول حضر احد اقرباء جريح من آل غدّار غير مصدّق ان قريبه ما زال على قيد الحياة ويقول «لقد ذهبت الى مستشفى الزهراء قبل ان آتي الى هنا ورأيت الاشلاء عند باب المستشفى. لكن المشهد المؤلم ارتسم من خلال طفلة صغيرة كانت مصابة بجروح في وجهها. لم يكن هناك من يسأل عنها، ليتبين لاحقا انها تُدعى اماني، وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة وقد طلبت ادارة المستشفى من الذين يتعرفون عليها الاتصال بها لتأكيد هويتها».

ويبدو ان هوية الطفلة اماني لم تكن وحدها مجهولة، فهناك هويّة لشاب كانت مرمية بين الخراب الذي احدثه التفجير، تركت جملة من التكهنات والمعلومات المتضاربة، ليتبين لاحقا انها مزوّرة. لكن الحقيقة ان ستة شهداء قد سقطوا ومعهم اكثر من ثمانين جريحا. كتائب «عبدالله عزّام» تتبنى كما في كل مرّة. ووسط هذه الخضّة والدمار الهائل، اطل وزير الداخلية نهاد المشنوق من مكان الحدث في استحقاق يواجهه، ليعلن بحزمه المعهود ان «من يسهل لكتائب «عبدالله عزام» العمليات والتسهيل لا يقل اجراما ولا أهمية، وهؤلاء المسهلون هم اللبنانيون وان الحكومة ستتخذ الاجراءات السياسية والامنية لمواجهة هذا المسلسل، وليؤكد ان اجراءات سياسية ستتخذ في القريب العاجل لتجفيف معابر الموت».

وبما ان الشيء بالشيء يُذكر، فللبنانيين ايضاً آراؤهم الخاصة يدلون بها عند كل حادثة تضرب بلدهم. فبالأمس كثرت الاحاديث عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد دقائق معدودة على وقوع التفجير المزدوج، منهم من اتهم جهة حزبية بالوقوف وراء العمل الارهابي من خلال تدخلها في حروب الغير، ومنهم من راح يُنظّر حول كيفية دخول الانتحاريين الى لبنان، متهماً فريقاً محدداً من اللبنانيين بمساعدة «التكفيريين». لكن اسوأ ما قيل بالأمس، جاء على لسان شاب ملتحٍ ومسؤول حزبي، كان متواجداً على ارض الفاجعة، وهو يقول لمجموعة من «اخوانه» المتحلقين حوله: ان سبب هذه التفجيرات يعود «الى الحصار الذي بدأ يشتد حول رقبة المعارضة في يبرود»…

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل