افتتاحية “المسيرة” في العدد 1445: في آب من العام 1982 انتخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية اللبنانية، فانتصرت المقاومة اللبنانية، وفي ايلول من العام نفسه غُدر ببشير، فكبت المقاومة اللبنانية! واستمرّت كبوتها لسنواتٍ اربع عجاف، من حرب الجبل المدمّرة، والتي جُرّت اليها المقاومة اللبنانية ضد تحالف موضوعي اسرائيلي –سوري- سوفياتي- فلسطيني في حينه، لكنها وقفت وحدها في بحمدون وحيث لم يجرؤ الآخرون، وحيث كان الغدر بها في السياسة كما في سواها.
ومن العام 1982 ولغاية العام 1986، صمدت امام تفككات سوء الادارة السياسية وانهيار المحاور الحليفة وغياب بشير.. ليحمل سمير جعجع وحده وزر اخطاء البعض ويبقى وحده واقفاً على صليب خطايا البعض الآخر… وغدرهم.
وكان المشهد الممتد من جزين الى بشرّي والقبيات يتقلّص لينحسر الى حدود المدفون – كفرشيما، وجيش النظام السوري المحتل يطبق الخناق اكثر فأكثر ويملي الشروط ويدير الحكومات والسياسات ويدفع نحو الاتفاق الثلاثي القاتل للمسيحيين، ليأتي الغدر مرة أخرى، ويأتي سمير جعجع وحيداً يحمل وزر مواجهة هذا الغدر واقفاً على صليبٍ وسكين.
وكانت مرحلة 1986-1988، سنتان فقط من الراحة المؤقتة، تخللتها بنية اجتماعية وطبية وعسكرية وامنية صلبة صلابة الفولاذ صنعها سمير جعجع وفي سنتين فقط، لينتهي بعدها عهد أمين الجميل وتبدأ مرحلة ميشال عون، ويتحوّل حُلم حكومة انتقالية استقلالية -كما وصفها جعجع- الى كابوسٍ مدمّر لكل البنية التحتية المسيحية والوطنية في ما تبقى من مناطق محررة.
حروب عبثية فاشلة، دمار وانهيار أدى كله الى لجنة امنية لبنانية- لبنانية برعاية الاخضر الابراهيمي (شيبه ليس جديداً)، والى اتفاق الطائف وفق موازين القوى التي صنعتها الحروب تلك، وما سبق تلك الحروب من تراكم الفشل، وصولاً الى انتخاب رينيه معوض فالغدر برينيه معوّض، فالمواجهة التدميرية الاخيرة التي جُرّت المقاومة اليها قهراً وحكماً دفاعاً عن الوجود ضد الجشع والسكر المجنون.
وقف سمير جعجع وحيداً ووقف معه ذلك البطريرك العظيم نصرالله صفير على صليب لبنان، حملا الطائف بكل حسناته وسيئاته لدرء الخطر والحد من الخسائر ووقف الجنون والدمار، وكان الغدر من جديد وبصورة انفجار في بيت عبادة في سيدة النجاة، سعياً من الجناة لتحويل فارس السيدة العذارء الى مجرم، لكن سمير جعجع واجه الغدر وواجه الاعتقال وواجه العدالة الباطلة في الزمن الباطل، لينتصر له كل لبنان في 14 آذار 2005، ويصرخ كل لبنان بشعار المقاومة اللبنانية: “لبنان اولاً”.
قد يكون الغدر على قدر… هو قدر محاربٍ جلود، لكنه يحمل صليباً ولا يتعب، لانه يعرف ان القيامة حتمٌ اكيد؛ يرتفع اسمه اليوم صوراً ورمزاً في كل العالم العربي الثائر، بينما تنخفض صور سواه وتداس، تُطلق النار ابتهاجاً بأي اطلالة له من حلب ودير الزور وسوريا الأحرار، حيث الانسان واحد وقضيته واحدة في كل زمان وكل مكان، بينما يستمرّ سواه في اطلاق النار على رأسه انتحاراً ونحراً لحكمٍ بلا وطن، وحكومةٍ.. تبحث عن وطن.
كل الذين قتلوه ماتوا او اعتقلوا او هم معتقلون في خبايا جبنهم ومجدهم الزائف والمؤقت جداً جداً، اما هو… فثابتٌ على الثوابت!
المتغيّرات تمرّ والتاريخ يمرّ، ويضحكه اللاهثون القدامى-الجدد، وتنازلاتهم المريبة عن المواقف بحثاً عن المواقع؛ ويقرأ عنهم في سفر الحكمة بعينين هازئتين: “كالثلج في الصيف وكالمطر في الحصاد.. هكذا المجد للجاهل”!
