على إيقاع فشل مؤتمر جنيف2 الذي سدّد له النظام الأسدي طعنة معدّة سلفاً في دمشق، عندما رفض وفده الى المفاوضات الاقرار ببيان جنيف1 الذي نص على تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، مصرًّا على مناقشة هذا البيان بنداً بنداً إمعاناً في التلاعب والمراوغة والحؤول دون الوصول الى حل سياسي، أفاق اللبنانيون على تشكيل الحكومة الجديدة التي طال انتظارها لمدة 11 شهراً، بل على إيقاع البراميل المتفجرة التي يمطر بها النظام الأسدي الفاشي حلب ودرعا، والقوات التي دفع بها الى يبرود بدعم مباشر من مقاتلي حزب الله، دخل هذا الحزب بوزرائه الحكومة العتيدة.
ولم يحدد المبعوث الدولي والعربي الأخضر الابراهيمي موعداً لعودة جلسات المؤتمر للانعقاد مبدياً اعتذاره للشعب السوري عن فشل مساعيه. إلا أن وليد المعلم وزير الخارجية الأسدي رأى في المؤتمر نجاحاً لم تره أي من الوفود الأخرى عندما وافق وفد المعارضة على ضرورة مكافحة الارهاب، هذا البند الذي ظل الوفد الأسدي يلوكه ابتداء من اليوم الأول حتى تعليق الجلسات. وكأن الوزير المذكور يتخيّل أو يدعي تحقيق إنجاز مزعوم بجرّ المعارضة السورية للموافقة على إدانة الارهاب ومحاربته في الوقت الذي يعلم فيه المجتمع الدولي بأسره بأن المعارضة السورية والجيش السوري الحر والجبهة الاسلامية المسلحة تقاتل على جبهتين في وقت واحد وهما ارهاب النظام الأسدي من جهة ومقاتلي «داعش» الارهابيين صنيعة نظام الأسد وحلفائه من جهة أخرى.
في الوقت الذي انتابت فيه المرارة والإحباط جماهير الشعب السوري عندما تناقلت وسائل الاعلام تعليق أعمال جنيف2، فأدركت أن النظام الأسدي وحلفاءه ساعون للاستمرار في الحرب، قابل الشعب اللبناني أنباء تشكيل الحكومة الجديدة بابتسامات شاحبة. فالشعور العام السائد الآن هو اعتبار رؤية حكومة تمام سلام الجديدة ليست سوى هدنة هشّة قصيرة الأمد قد تحدث صدمة ايجابية بمقدورها اخراج الوضع اللبناني من أزمته الحالية الخانقة.
وكأنه كان على اللبنانيين الاختيار بين السيّئ والأسوأ بل الأشد سوءاً؛ فالسيئ هو تعطيل الحياة السياسية والاقتصادية وشل الادارات والمؤسسات وانعدام الأمن وتسيّب وتفاقم الفقر والبطالة وانتشار الجريمة المسلحة والبغاء وازدهار تجارة المخدرات والتهريب والفساد، والأسوأ هو بروز ظاهرة مخيفة لم يعهدها اللبنانيون من قبل ألا وهي العمليات الانتحارية بواسطة السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة والصواريخ التي تطاول المدن والبلدات والقرى فتحصد العشرات من الضحايا الأبرياء. أما الأشد سوءاً فهو الاقتتال الداخلي الأهلي أي الدمار النهائي للبنان، وكأن حال اللبنانيين الآن يقول بالفم الملآن: «لقد ذهب «حزب الله» الى سوريا لمقاتلة الارهاب والتكفيريين، فكانت النتيجة العملية أن قام باستدراجهم الى أرض لبنان!». إلا أن اللبنانيين ليسوا سذّجاً ولا أغبياء، فالجميع أصبح يدرك الآن أن «حزب الله» قد سارع الى ارسال مقاتليه الى سوريا لنجدة النظام الأسدي المتهاوي في الوقت الذي لاقاه الى هناك النظام الايراني بقوات نظامية ومقاتلي لواء أبو الفضل العباسي. فلم تكن المسألة بتاتاً لا الدفاع عن المقدسات ولا تصحيح الجغرافيا التي شاءت أن تقطن بعض الأسر اللبنانية في الجهة الأخرى من الحدود.
ويتساءل اللبنانيون بقلق له ما يبرّره: ما دام حزب الله ما زال محتفظاً بسلاحه وترسانته الصاروخية خارج سلطة الشرعية اللبنانية، بل ما زال متورطاً في الحرب الدائرة في سوريا، وهو الذي ظل مصرًّا وبعناد على ثلاثية «شعب وجيش ومقاومة» طيلة السنوات الماضية، فهل أصبح حقاً بصدد القبول بصيغة جديدة هي البديل العقلي والملموس عن تلك الصيغة التي غيّبت الدولة وابتدعت ازدواجية مدمرة تجمع بين السلاح الشرعي والسلاح الآخر غير الخاضع لرقابة السلطة؟ لقد كان الاصرار على تلك الصيغة هو السبب الرئيسي الذي كان وراء الاطاحة بحكومة الرئيس سعد الحريري عام 2011 والتمسك بالثلث المعطل المشؤوم، فهل «حزب الله» قد أصبح الآن بصدد التنازل عن الامساك بهذا الصاعق الذي بإمكانه متى شاء تفجير أية حكومة من داخلها وإمطارها بوابل من الاتهامات بأنها غير شرعية وغير ميثاقية ولا تمثل الوحدة الوطنية الخ… إن الالتزام ببيان بعبدا والتكريس الفعلي لسياسة النأي بالنفس ليتناقض كلياً مع الاستمرار بالتورط في الحرب السورية. فهل حزب الله على استعداد الآن لسحب مقاتليه من سوريا، لا سيما وأن الحرب الدائرة هناك على ما يبدو مستمرة لا بل تشير المعلومات الى مزيد من هذا التورط في القلمون ويبرود. إن هذه المفارقة لتبعث على القلق الشديد.
ثم إننا قد انحزنا كثيراً الى جانب السياسة الأسدية وضربنا عرض الحائط الاجماع العربي داخل الجامعة العربية وخارجها وناصبنا العرب العداء ورحنا نذرف الدموع لرؤيتنا القطاع السياحي قد سقط الى الحضيض فأفلست المؤسسات السياحية وأقفر وسط مدينة بيروت التجاري. فكيف بالامكان إعادة بعض العافية الى هذا القطاع وهو باب الرزق الأساسي لألوف العائلات، إن لم يكن عبر سياسة جدية بتحييد لبنان عن الصراعات الدائرة في المنطقة العربية.
ان تحصين لبنان حيال الارهاب بجميع أشكاله، وهي جميعها مدانة ولا تحظى بأي دعم أو عطف من الغالبية الساحقة من اللبنانيين حتى من قبل أولئك الذين يشعرون بالتهميش والظلم والافتئات، خاصة في ظل حكومة الصناعة الأسدية السيئة الذكر، يجب أن يمر عبر سحب حزب الله مقاتليه من سوريا والعودة مجدداً للانخراط والاندماج في النسيج الوطني اللبناني، كحزب سياسي. بل نجرؤ على القول، وهذا لا مفر منه ولا فكاك، إلا بضرورة حل مشكلة سلاح هذا الحزب والعودة الى الدولة ومؤسساتها.
سوف يتطلع اللبنانيون بكثير من القلق والاهتمام، لما سيحمله البيان الوزاري للحكومة الجديدة، كيف سيتم اختيار المفردات الذكية المناسبة لتجاوز المرحلة الراهنة، خاصة والدولة كلها منهكة وبحاجة ماسة الى اعادة ترميم ونحن مقبلون على استحقاق دستوري رئاسي وشيك.
إلا أن الحكومة الجديدة، وبصرف النظر عن قصر المدة التي ستمضيها في الحكم وضرورة مواكبتها للاستحقاق الرئاسي وثقل الملفات التي ستواجهها، سوف يتوجب عليها تحمل تداعيات جلسات المحكمة الدولية التي تنظر في جريمة العصر وسائر الجرائم الملحقة بها، ألا وهي اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه من سلسلة الاغتيالات التي ضربت لبنان، في الوقت الذي ما زال المتهمون، فارّين من وجه العدالة. إن شرخاً عميقاً ما زال يحفر في ضمائر اللبنانيين، ومن المستحيل بمكان على أية حكومة أياً كان شكلها وبرنامجها أن تردم هذا الشرخ في المستقبل المنظور.