وكأنه لا يكفي اللبنانيين كل ما يمرون به على الصعيد الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي والامني، جرّاء الحرب السورية ولجوء مئات اللآلاف من السوريين الى لبنان، وإذا بمسلسل الارهاب والتفجيرات يقض مضاجع حياتهم اليومية ويملؤها بالخوف والرعب والقلق على المصير. ومع أن السبب والمُسبب بهذه الحالة المستجدّة والغريبة عن مجتمعنا معلوم ومعروف، يصر مسؤولي “8 آذار” بكل ألوانهم وفي مقدمهم أمين عام “حزب الله” وكافة مسؤولي الحزب، على أن العمليات الارهابية لا دخل لها بتورط “الحزب” في سوريا.
المعارضة السورية المتطرفة من جبهة “النصرة” و”داعش” و”كتائب عبدالله عزام” وغيرها، وبعد كل إنفجار أو عملية أو كمين أو إطلاق صواريخ، تسارع لتبني تلك العمليات على أنها ردّ على تدخل “حزب الله” اللبناني في الحرب السورية.
أما نحن اللبنانيين، وبالأخص سكان تلك المناطق المستهدفة بتلك العمليات على أنواعها، مَن علينا أن نصدق؟
أنصدق حسن نصرالله ومسؤولي حزبه وفرقة الزجل التابعة لهم والتي تنتظم كلها على النغمة التي يلحنها هذا الحزب؟ والذي لا يترك مناسبة تمر من دون إعطاء المزيد من تبريراته السطحية غير المقنعة لهذا التدخل الفاضح بالحرب السورية، وكانت محاولته في الإطلالة الأخيرة فاشلة جداً برمي المسؤولية على الوزراء الجدد. أم نصدق تلك الجهات التي تستهدف حزب الله تحديداً وإيران طبعاً، على خلفية تدخلهما في تلك الحرب الى جانب النظام وضد الشعب السوري وثورته؟
وبما أننا، وحتى في عز أيام الحرب اللبنانية، لم نتعود ولم نسمع بالعمليات الانتحارية إلا نادراً، فمن البديهي والمنطقي أن نأخذ بتلك البيانات التي تصدر بعد كل عملية وتشرح الأسباب الموجبة لها، وهي الجواب الصارخ الذي يتلقاه الحزب نتيجة حشر أنفه في الحرب السورية، وكلنا يعلم أن من يقرع الباب… عليه أن يسمع الجواب.
فرحمة باللبنانيين جميعاً، وبناسكم أولاً، كفاكم كذباً ورياءً ولعباً على عواطفهم وغرائزهم وإختراع الأسباب اللامنطقية والنظريات الخنفوشارية لتبرير أفعالكم. فدعوتكم للقتال على الأرض السورية، أصبحت قتالاً على أرضنا، ومحاربة الإرهابيين في عقر دارهم، أحضرتهم الى عقر دارنا، ومنع السيارات المفخخة من الدخول الى لبنان، أصبح مسلسلاً أسبوعياً للدمار والقتل والأشلاء، يملأ شاشاتنا وشوارعنا.
بعد الخسائر الفادحة والمخيفة لحرب تموز من آلاف القتلى وعشرات آلاف الجرحى ومئات آلاف المهجرين وعشرات مليارات الدولارات، أتحفنا مَن اتّخذ القرار يومها بجملته الشهيرة: “لو كنت أعلم”…
هل تعلم أن هذه العبارة لم تعد تنفع اليوم؟ هل تعلم أنك زجّيت بشعبك في آتون أصعب وأقسى أنواع الصراعات التي لا تنتهي، والتي تحتاج الى عشرات بل مئات السنين لتندمل جروحها ومآسيها؟
أحفظ ماء وجه هذا الشعب الذي عانى الكثير بالسير وراء مشاريع حزبك ومشاريع وليّك الفقيه. هذا الشعب بالمبدأ ينتمي الى وطن إسمه لبنان، فلماذا تريدون أخذه الى مكان آخر وإلحاقه بأمم وبلدان أخرى؟ إذا كنت تؤمن بولاية الفقيه وبالمهدي المنتظر، فهذا شأنك. فلبنان بلد الحريات وعلى رأسها حرية المعتقد. لكن أن تتورط أمنياً وعسكرياً مع دولة أخرى الى هذه الدرجة، لتصبح جندياً عند وليّها، فهذا حقاً قمة الخيانة لوطنك.
لكن الأوان لم يفت بعد. فإن كنتم تريدون أن تحافظوا على وجودكم المُشَرف داخل النسيج اللبناني وتركيبته، عليكم أولاً الخروج فوراً من الوحل السوري، ثم تسليم السلاح غير الشرعي للدولة اللبنانية وحلّ الجهاز الأمني والعسكري للحزب، لتكون الدولة بأجهزتها الأمنية والعسكرية، القوة الوحيدة والشرعية المسيطرة على كامل أرض لبنان بدعم كافة المكونات اللبنانية. عندها فقط يمكننا جميعاً كلبنانيين، أن نقف سداً منيعاً في وجه الارهاب والارهابيين بعد إغلاق وضبط الحدود اللبنانية كافة، بما يسمح لنا بالتفرغ لبناء وطننا من جديد على أساس العدل وحقوق الانسان واحترام الآخر، ويكون القانون هو الحكم الوحيد بين المواطنين بغض النظر عن دينهم أو فكرهم أو جنسهم.
هكذا فقط يمكننا أن نحافظ على وطننا وننتقل به ومعه، من بلد الحروب والصراعات والفساد والمحسوبيات، الى بلد السلام والتطور والثقافة والقانون والحرية. ومن له أذنان سامعتان، فليسمع… ويفهم.
