لا يختلف إثنان على أنّ لبنان دخل عصر الإنحطاط منذ سنوات، في كلّ الميادين والمستويات، السياسيّة والأمنيّة والحياتيّة والتربويّة والثقافيّة والأخلاقيّة.. لكنّ استثناءات كانت تحصل من حين إلى آخر، فيأتي رئيس هنا، ووزيرهناك، ونائب أو مسؤول حزبي هنالك، يُعيدون بعض الأمل في أنّ سلالة الكبار لم تنقرض تماماً.
فليس الرئيس سليمان مثلاً من القماشة الرثّة لسلفه، ولا الرؤساء الحريري والسنيورة وسلام مثل الشخصيّات الباهتة الأُخرى، وليس الوزراء رزق ونجّار وبارود وفتفت وحرب كبعض مَنْ سبقهم أَوأَعقبهم، ولا بعض نوّاب 14 و 8 آذار(يُعَدّون على أَصابع اليد) من هشاشة زملائهم – الأرقام، ولا سمير جعجع من طينة رؤساء أحزاب البالة والبيع والشراء بالجملة والمفرّق.
طبعاً، في الحكومة الجديدة وجوه محترمة ومبدئيّة، وتحمل من زمن الكبار بعض الأَثر والإرث، لكنّ طغيان الرداءة يكاد يُغرق تمايزها، فتضيع فرادتها في وحول المساومات والصفقات، وتظهر كأنّها محكومة بالخرَس، ساكتة عن الحقّ.
ولكنْ، كلّ هذا الإنحطاط في كفّة والإنحطاط الدبلوماسي في كفّة أُخرى. فقد يحتمل لبنان رداءة وزراء ومسؤولين في الداخل وسوء أدائهم وأخلاقهم، لكنّه لا يحتمل هذا الإنحدار المروّع في صورته الخارجيّة كدولة.
منذ أكثر من عقد، تحوّلت وزارة الخارجيّة إلى كشّة في الخارج وإلى حانوت في الداخل، تتبع سواها وتبيع بضاعته وتسوّق سياسته، تقتل تراث لبنان العريق في الدبلوماسيّة، تنقل الأمراض المذهبيّة والطائفيّة إلى طاقات الانتشار في ديار العالم، تستبدل حضارة قصر بسترس وحضوره بفجور الترويج لمحور التخلّف، تحشو القصر بخرّيجي المليشيات وعشيرة الأُمّيّين. تبعيّة مخجلة، صدى لطبول تضرب من بعيد.
وبدلاً من أن يكون نصيب الخارجيّة أفضل في التشكيلة الجديدة كي تستعيد بعض حقّها، سقطت ضحيّة توزيع الحصص والمغانم، فحلّ أحد غلمان السياسة على كرسيّ حميد فرنجيّه وشارل مالك وفؤاد بطرس..
فلنتخيّل خطورة هذا الهبوط من مجد لبنان في عالم الدبلوماسيّة وضيق الأرض أمام حركته، إلى لحد التخبّط في وحول الزبائنيّة والكيد وحسابات البقّال، وتدسيم المحفظة الماليّة الخاصّة.
من بَسْطة على قارعة الجنوب، إلى دكّان على قارعة الشمال، بعدما كانت الدبلوماسيّة اللبنانيّة ملء العالم، فيها شيء من وهج حضارة ال”كي دورسيه” وقوّة ال”ستايت ديبارتمنت” وحنكة ال”10 داوننغ ستريت”، وصلابة ال”كرملين”.
كان لبنان مالىء الدنيا وشاغل الناس، دولة صغيرة تتقن لعبة الكبار والأُمم، وتشارك في صنع السياسات الدوليّة. يجعلونه اليوم في آخر القافلة، “لا خَيْلَ عنده يهديها ولا مالُ”.. وحتّى النطق لا يُسعد إذا لم تُسعد الحالُ. فنطق الوزراء المتعاقبين حديثاً على الخارجيّة ومنطقهم ينتميان إلى القاموس الطاووسي النكدي المتصادم تماماً مع مفهوم الدبلوماسيّة.
وسيكون الأشدّ سوءاً، الإمعان في شرذمة طاقات الإنتشار اللبناني، ليس فقط بين الطوائف والمذاهب، بل بين المسيحيّين أنفسهم الذين يشكّلون، في الأساس التاريخي، حيويّة لبنان العالميّة. فحين يتحكّم الحقد والكيد في عقل المسؤول وسلوكه لا يُرجى منه إلاّ الضرر والإساءة. وأداؤه الفئوي في الحقائب السابقة لا يبشّر بالخير.
في أيّ حال، لا تقع المسؤوليّة كلّها على هذه النماذج السيّئة والرديئة في السلطة فقط، بل على مصانع إنتاجهم في أحزابهم ومرجعيّاتهم، فهذا الكعك من ذاك العجين، والقرود لا تُنجب غزلاناً.
هو زمن الانحطاط إذاً، يتمادى ويتمطّى، ويضرب الآن معنى لبنان وجوهر تميّزه في انتسابه إلى القيم الإنسانيّة العالميّة.
ولا يتوهّمنّ أَحد أنّ مَنْ في قدميه سلاسل يستطيع الجري على دروب الحضارة والحريّة.
فقصر بسترس انتقل من عبد مأمور إلى عبد مأمور، والسيّد هو نفسه: ذراعه المنفّذة في الضاحية، ورقبته المسحوبة في دمشق، ورأسه المدبِّر في طهران.
أمّا مساحيق “الاعتدال”، و”التطبيع”، والجلوس معاً إلى مائدة مجلس الوزراء، والتودّد إلى “مائدة باريس”، فلا تغيّر شيئاً في الوجه القبيح.
وزارة الخارجيّة إلى مزيد من الغرق، بعد تاريخ الألَق.
وقصر بسترس غارق في محنته: يحنّ إلى أهله وروّاده الكبار، ويتناوب عليه الصغار.