يشق سعد الحريري دربه في الحقول المفخخة بين الزعماء الموارنة في سبيل انتخاب رئيس للجمهورية القلقة. وراءه صارت عملية تأليف الحكومة وما رافقها وتلاها من انتقادات وجهها إلى أدائه بعض الحلفاء، سمير جعجع على وجه الخصوص. انتقادات تجاوزتها الإتصالات واللقاءات وانتقلت إلى هموم الأيام الآتية.
لا أحد يحسد رئيس أكبر كتلة في البرلمان اللبناني على المهمة التي انتدب نفسه لها. ولعلّه عقّدها فوق ما كان يتصوّر عندما قال في ذكرى والده الشهيد في “البيال” إنه يتطلع إلى رئيس يمثل تطلعات المسيحيين ويرضيهم. لا شك أن أنصار ميشال عون ظنوا أنه يقصد جنرالهم، وأنصار جعجع أنه كاد يسمي “حكيمهم”، والكتائبيين أمين الجميّل رئيسهم، وأنصار بطرس حرب وسواه من المرشحين أن الرئاسة اقتربت منهم.
لا يريد سعد الحريري ترك أي مجال للزعم والمزايدة بأن مسلمين يفرضون رئيس جمهورية على مسيحيين كما حصل في انتخابات سابقة، أو أنه هو سعد الحريري سمّى رئيس الجمهورية وفرضه، علماً أن الرئيس يرشحه مسيحيون ولا يصل إلا إذا انتخبه مسلمون، وهذه فرادة للبنان تجعل الرئيس رمزاً حقيقياً لوحدة البلاد ومؤسساتها.
لكن ما السبيل إلى إيقاظ المسيحيين وحملهم على تحمل مسؤولياتهم في منع الفراغ الرئاسي عند انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان بعد ثلاثة شهور والشهر خلف الباب؟ السؤال يؤرق زعيم الطائفة السنية المقيم خارج لبنان من غير أن يحول نفيه الطوعي دون لقائه جميع الزعماء الآخرين لحضهم على إيجاد آلية ما. فليجتمع قادة المسيحيين ويبحثوا في موضوع الرئاسة ويقولوا للآخرين شركائهم في الوطن هذا هو خيارنا وهذه هي الطريقة التي نراها الأنسب كي يكون للبنان رئيس غير الفراغ.
بعدما التقى الحريري في روما الجنرال عون نفت أوساطه حصول اللقاء وتبين أنه حصل فعلاً، فاستيقظت هواجس جعجع. أنتجت الإتصالات التي تلت لقاء روما حكومة، فماذا يمنع أن تنتج رئيساً في معزل عن رأي رئيس حزب “القوات” ومشاركته؟ أوضح القريبون من رئيس “تيار المستقبل” والموفدون إلى معراب أن اللقاء وعون كان محصوراً في موضوع تأليف الحكومة. لم يتناول موضوع الرئاسة من قريب أو بعيد.
يؤكد سياسيون منغمسون في المسألة أن من الوهم الإعتقاد باحتمال تفاهم الحريري – عون على الموضوع الرئاسي. ببساطة عون لن يقبل إلا بتأييده هو وليس أحداً غيره، والحريري لن يؤيده. نقطة على السطر. في الإتصالات المتلاحقة وعبر الموفدين ارتاح جعجع إلى تطمينات حليفه الحريري: لن يتجاوزه في موضوع الرئاسة أو غيره. نقطة أخرى على السطر.
مرتاح أيضاً جعجع إلى تحديد الحريري بنفسه في خطاب “البيال” مواصفات الرئيس المقبل. ليس فقط أن يرضي المسيحيين بل ألاّ يكون انتهك الدستور والقوانين، وألا يكون مدّ يده إلى بشار الأسد، ولم يشارك في تغطية القتلة في سوريا أو قتل الشعب السوري. مواصفات تناسب جداً رئيس “القوات” ولا تنطبق إطلاقاً على زعيم “التيار الوطني الحر” وحلفائه.
لا يحتاج الأمر إلى تحليل طويل ومعلومات دقيقة للإستنتاج أن الحريري حض البطريرك الماروني بشارة الراعي في روما أمس، على إعادة جمع زعماء المسيحيين في شكل أو في آخر، مباشرة أو مداورة للخروج ليس بمرشح- فهذا مستحيل وغير مرغوب فيه أصلاً- بل باتفاق أو التزام لتأمين نصاب إنتخاب الرئيس. تبلغ البطريرك من رئيس الحكومة السابق أنه سيواصل السعي بكل إمكاناته في هذا الإتجاه.
وهي مهمة صعبة. صعبة جداً. إذا نجح الحريري فيها فعلى المسيحيين تطويبه قديساً.