وعلى رغم الأسباب التخفيفية المتصلة بهذا المشروع من قبيل المناخ المسيحي الذي أوجدته بكركي مع انتخاب البطريرك الراعي وضرورة الوصول إلى وحدة موقف مسيحي من قانون الانتخاب، كما المناورة التي قام بها «حزب الله» عبر موافقته الشكلية على المشروع لضرب وحدة 14 آذار، لأنّ الحزب عاد وأعلن مراراً أنه كان على الجنرال ميشال عون أن يتفهّم استحالة إتمام الانتخابات النيابية بسبب الجهد الذي يضعه «حزب الله» في سوريا التي تحوّلت إلى أولويته المطلقة. وبالتالي، على رغم ذلك، قامت معارضة شرسة للأرثوذكسي وصلت إلى حد التلويح بفرط 14 آذار في حال عَبرَ المشروع المجلس النيابي.
وعلى رغم أنّ المقارنة لا تجوز مبدئياً بين قانون انتخابي يُعيد انتاج السلطة على وقع شعور مسيحي بإجحاف طاوَلَه نتيجة الوصاية السورية، وبين تأليف حكومة مع «حزب الله» في اللحظة التي يواصل فيها قتاله في سوريا، ومع انطلاق أعمال المحكمة الدولية التي اتهمت 5 عناصر من الحزب باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فضلاً عن كل الشكوك المتصلة بدور الحزب بالاغتيالات الأخرى، خصوصاً أنّ انتاج السلطة وفق الارثوذكسي يقوم به كل مذهب منفرداً، فيما الحكومة تعني الشراكة مع المكوّن الآخر في إدارة البلاد، بينما أحد الشركاء، أي «حزب الله»، يتفرّد باتخاذ قرارات استراتيجية تستجلب الحروب على لبنان وتشكّل خطراً بنيوياً على مستقبله، وأهمّها تحويل البيئات الطائفية من بيئات معتدلة تاريخياً إلى بيئات متطرفة تجرّ الويلات على البلد.
ومن هذا المنطلق، فإنّ أيّ تقارب مع «حزب الله» في هذه المرحلة المتفجرة بالذات هو خطأ، وينعكس سلباً على القوّة أو القوى التي تنفتح عليه، إلّا في حال تمّ هذا الانفتاح بشروط فريق الاعتدال لا الفريق المتطرف، وهذا الانفتاح لا يجب أن يتمّ إلّا على قواعد سياسية واضحة وفي طليعتها الالتزام بميثاق العيش المشترك والدستور والقوانين الدولية، وذلك عبر خروجه من سوريا ووَضع جدول زمنيّ لتسليم سلاحه، لأنه عدا ذلك سيفقد فريق الاعتدال مع الوقت قوّته وحضوره وشعبيته، وهذا ما ينطبق تحديداً على قوى 14 آذار التي تراجعت الثقة الشعبية بها، بين لحظة انطلاق الانتفاضة واليوم، بشكل مخيف، والسبب عائد لتنازلاتها المتواصلة ومساوماتها بمعزل عن الأسباب الموضوعية التي دفعتها إلى هذه التنازلات.
فالشراكة في حكومة واحدة مع «حزب الله» اليوم تنعكس سلباً على تحالف قوى الاعتدال، وما ينطبق على الحزب ينسحب على «التيار الوطني الحر»، الذي دَلّ سلوكه، منذ عودة الجنرال عون، على أنه قوة تطرّف لا اعتدال داخل الوسط المسيحي، والدليل تقديمه المعيار المسيحي على الوطني لأسباب تتصِل فقط بتجييش الشارع المسيحي وتعبئته ضد الشارع السني عموماً وتيار «المستقبل» خصوصاً خدمة لأهداف «حزب الله»، علماً أنّ المسيحيين قدّموا تاريخياً المعيار الوطني على المسيحي من منطلق أن تحقيق الأهداف الوطنية يصبّ مباشرة في خدمة المصلحة المسيحية، وأيّ مراجعة لشعاراتهم تُظهر صحة ما تقدّم، من المطالبة بالسيادة والحرية والاستقلال، إلى الدعوة لتحييد لبنان والاعتراف بتعدديته وخصوصيته وديموقراطيته. وبالتالي، السياسات العونية في السنوات المنصرمة صَبّت في خانة تشجيع التطرف وضرب خط الاعتدال في البلد.
فالانفتاح «المستقبلي» على «التيار الوطني الحر» لا يخدم مفهوم التحالف بين قوى الاعتدال على غرار الشراكة مع «حزب الله»، خصوصاً أن «التيار الوطني الحر» أعاد إحياء نظرية الأقليات، حيث لم يكتف بعقد المؤتمرات الهادفة إلى إيجاد البيئة الفكرية الحاضنة لهذه النظرية، إنما قادَه خياره للذهاب إلى دمشق وبراد وطهران وتأييد النظام السوري ضد المعارضة السورية.
وإذا كان من الطبيعي أن تشهد حركات سياسية خروجاً عن خطها التاريخي ظرفياً لأسباب وعوامل عدة، إلّا أن المطلوب منها إعادة تصويب مسارها وتصحيحه سريعاً بغية إعادة تغليب تحالف قوى الاعتدال… وإلّا على الاعتدال السلام…
