#adsense

بند الإرهاب في الحكومة الجديدة!

حجم الخط

… ثم تألفت الحكومة. صار عندنا بعد 11 شهراً من تكليف الرئيس سلام حكومة برئاسته وأيضاً من 24 وزيراً موزعين بـ 8-8-8 مكرر، على غرار 6-6 مكرر «التاريخية«. قد لا يعرف الكثيرون ماذا يمكن أن تسمى: «حكومة جرّ الشمل»، «حكومة طرح الشمل»، «حكومة شمل الشمل»، «حكومة المصالحة»، «حكومة المصلحة»، «حكومة الفتيل المطفأ»، «حكومة الاطفائجي»، «حكومة العودة»، (عودة 14 آذار) «حكومة الرحيل» (رحيل 8 آذار)،… «حكومة ائتلاف غير المؤتلف»، حكومة «الصفقة الميثاقية» ، حكومة «نهاية الوصاية السورية»، حكومة «التسوية العربية الغربية»… كل هذه الأسماء والمسميات قد تكون صالحة وغير صالحة. ومقبلة غير مدبرة… لكن وعلى الرغم من كل شيء، صار عندنا اليوم حكومة، ليست بَدلْات الوزراء فيها سوداً، بل أقرب إلى الكحلي والرمادي والغامق (لا الدامس). لا قمصان سود. رائع. ولا «اقتطاع» شرائح. ولا اقصاء. ولا سلاح يسبق أو سلاح يواكب. حكومة الكلمات الطرية. حكومة الأيدي الممدودة لا الأصابع المشهورة. حكومة التبويس لا التدليس.. عال! الكل موجود هناك في الحكومة الجديدة. وتتضمن اناساً محترمين: رجال دولة (لا رجال عصابات)، رجال أمن سابقين (لا رجال سرايا دفاع)، رجال مواقف لا رجال مواقع… عندنا أشرف ريفي، الذي يرفع انجازاته عالياً «اكتشاف عشرات الخلايا الإرهابية والاسرائيلية.. داخل هذا الحزب أو ذاك. وهو رفيق العالي الشهيد وسام الحسن. وهو مع رفاق له، كوسام عيد، ساهموا في تفكيك الشبكات الارهابية التي اغتالت الرئيس الشهيد رفيق الحريري. انه وزير العدل في زمن العدالة بدلاً من أن يأتي وزير آخر متواطئ في زمن المحكمة… وعندنا الشيخ بطرس حرب، المحامي الألمعي، ورجل المواقف الصلبة، من دون أن ننسى الوزير نهاد المشنوق، وصقوريته الشفافة… انه وزير الداخلية، أعانه الله، على الدخلاء من أهل السفهاء….

وعندنا الوزير وائل أبو فاعور هذا الشاب نظيف الكف، واضح الرؤيا، متسع الالتزام، من دون أن ننسى المناضل أكرم شهيب. إذاً عندنا حكومة ووزراء وزمن ضيق: ليس أكثر من بضعة أشهر. كأنها في النهاية حكومة مقاومة الفراغ. فراغ المؤسسات. فراغ البرلمان. (والفراغ الحكومي: الحكومة السابقة كانت هي الفراغ) ، فراغ الجمهورية. الفراغ الأمني. الارهاب الآتي إلينا من الطرقات التي سلكها حزب الله لمحاربة الشعب السوري الذي «حوّل الشعب السوري كله تكفيريين». فالطريق التي سلكها الحزب للوصول إلى القصير وحمص وحلب، سلكها من يريد أن يقول له، ارهابنا مقابل إرهابكم! وهناك الفراغ الاقتصادي والهجرات الشبابية (دياسبورا شيعية بدأت تلوح بعد التفجيرات، شبيهة بالدياسبورا المسيحية في زمن الميليشيات: التاريخ يعيد نفسه!)، وهناك الفراغ الديبلوماسي (مع الأشبهي، اللوذعي، السيادي، الوطني الوزير منصور نَصَرَه الله على اللبنانيين!). إذاً حكومة «امتلاء» تريد ان تكافح الفراغ. والمدة محدودة. محدودة. ومع هذا فالناس مرتاحون، وإن على قلق، وقلقون وان على بعض الراحة، والانقشاع. ومن الطبيعي أن ترحب الأطراف المشاركة بعد لأيْ وقسمة بهذه الحكومة، وتعلق على ما تعلق عليها من آمال. ومن البديهي ان يغضب من غضب (جميل السيد وناصر قنديل وبعض صناجات النظام السوري) ويلوموا 8 آذار على هذه الخطيئة «المميتة» التي ارتكبوها بقبول مثل هذه الحكومة ومثل هؤلاء الاشخاص لا سيما اللواء أشرف ريفي! جميل السيد أكثر من عتبان وأكثر من زعلان، أعلن «انفصاله» عن 8 آذار بسبب تولي ريفي وزارة العدل المتصلة عضوياً بالمحكمة الدولية خصوصاً ان رائحة «أبو عدس» والتسجيلات والفيلم المفبرك… فاحت في المحكمة. ولا ننسى وزارة الداخلية مع نهاد المشنوق…. هذه وزارات أمنية. كيف يتسلمها موالون لـ 14 آذار؟ لكن مع هذا، وعلى الرغم من فرح هذا الفريق أو ذاك أو ترح ذلك اللواء أو ذاك الصحافي الأصفر…. فإن الحكومة ما تزال في مرحلة الأسماء والحقائب. صحيح أن «التنازلات» من أكثر من فريق من شأنها أن تشير إلى بوصلة الحكومة، إلا ان هذا لا يمكن ان يكفي: فنحن ما زلنا حتى كتابة هذه السطور في «مرحلة النوايا». (وانما الأفعال بالنيات!) في مرحلة استجماع الوضع وما قد يطمئن وإن جزئياً، هي خريطة طريق الحكومة بوضوح وبلا لبس وبلا لعب على الألفاظ، هذه الخريطة التي تتجسد في البيان الوزاري. والسؤال: هل سيستغرق صوغ البيان ما استغرقته المراحل بعد التكليف. وهل سيكون هذا المخاض «عاقراً» بحيث تمضي هذه الأشهر المتبقية من دون الوصول إلى اتفاق على البيان الوزاري! وهل سيكون البيان الوزاري مجرد «عموميات» أو التباسات أو اختزالات، أو مجازات، أو توريات، قابلة للتأويل في كل اتجاه. أكثر: هل سيتضمن البيان الوزاري ما يمكن اعتباره جذور المشكلة في لبنان، وأسبابها الظاهرة والكامنة…

هناك عناوين تدوولت: تضمين البيان الوزاري «إعلان بعبدا» الذي يطالب الجميع بسياسة النأي عن الحرب السورية، ويطالب الحزب (آنياً) بسحب مقاتليه من سوريا. وهناك هذه الثلاثية البتراء، «الفكحاء» الشعب، الجيش، المقاومة» التي استخدمت كذريعة لتوريط لبنان الرسمي والأمني والعسكري والسياسي في الحروب القائمة في سوريا. وهناك الكانتون الحزبي والبؤر الأمنية الأخرى، وصولاً إلى الأمن الذاتي في أكثر من منطقة، يمارسه حزب الله، وبعض حلفائه كرفعت عيد (اعتبر مشاركاً في التفجير في طرابلس الذي ذهب ضحيته أكثر من 50 شهيداً) من دون ان ننسى المتهمين الأربعة باغتيال الرئيس الحريري، وكذلك محمود الحايك المتهم بمحاولة اغتيال بطرس حرب… فهل سيكون الملف الأمني هو المحور. أو الأحرى هل سيغطي الملف الأمني سائر القضايا، أو سيكون حجة للتهرب من تنفيذ بنود البيان الوزاري إذا تم الاتفاق عليها. نقول هذا، لأن بعضهم، يريد تجاوزاً للواقع في سوريا، ان على هذه الحكومة ان تطرح الإرهاب، والتكفيريين.. ويسمون داعش والنصرة… والقاعدة… وهنا بالذات قد يكون بيت القصيد: أي ارهاب؟ هذا السؤال ذو التفرعات والتساؤلات والاجتهادات، سيأخذ لغطاً. فحزب الله يريد وبكل الوسائل ان يُنكر أن تكون التفجيرات الإرهابية التي تعرضت لها الضاحية وسواها، رداً على اشتراكه في القتال (أو القتل) دفاعاً عن النظام (الديموقراطي، المتعدد، العلماني في سوريا!). أكثر سيربطون لبنان (هكذا) بالموجة «الإرهابية» التي تجتاح بعض الساحات العربية وغير العربية من العراق، إلى ليبيا، إلى مصر، فإلى افغانستان… بل وسيعودون إلى بعض الأحداث التفجيرية التي ارتكبت سابقاً في لبنان ليؤكدوا إن الارهاب كان موجوداً بأصالة وقوة وتخطيط، قبل استدعائهم الإيراني لمحاربة الشعب السوري. إذاً منطقهم أن الارهاب موجود في لبنان أصلاُ! وها هي «داعش» والنصرة وسواها من الارهابيين، عينوا لبنان «أرضاً جهادية» من دون أن يكون لذلك علاقة بوجودهم الاحتلالي في سوريا. والغريب أن هؤلاء العباقرة يصرون على تسمية داعش مثلاً وهي من صنيعة النظام السوري. لم تنطل حيلة النظامين السوري والإيراني لا على السوريين ولا على اللبنانيين ولا على العرب ولا على العالم. الكل بات يعرف ان «داعش» مثل شبيهتها «فتح الإسلام» (مع الارهابي شاكر العبسي) من تأليف وتلحين وتلحيم المخابرات السورية… وهي أحد فروع القاعدة الموصولة في العراق وسواها. انها بضاعتهم رُدّت إليهم. أما مفهوم الارهاب عند حزب الله فسيكون محصوراً بالسّنة. وها هو اعلامهم «الالهي» يحاول أن يصور وكأن كل السنة في سوريا والعراق ولبنان… إرهابيون! (ها هنا ما زلنا إذاً في لحظة الفتنة المذهبية) فعرسال تحولت بالنسبة إلى هؤلاء مركزاً للإرهاب. بل كل عكار. وبيروت! والهدف من ذلك تحويل الأنظار عن إرهاب النظام السوري الذي يشاركه الحزب جرائمه المروعة وتصويره وكأنه هو المعني مباشرة وعقيدة وعقلاً وقتلاً بمواجهة الارهاب العالمي، تشويهاً لصورة الثوار السوريين أمام «الغرب»! فهذه البضاعة موجهة إلى الغرب، لتبييض صفحة النظام واعطائه دوراً جديداً، او اعتباره «حاجة» وضرورة لمكافحة الارهاب. أما البراميل المتفجرة والمذابح والكيماوي والسكود والطيران والمدافع والسجون التي تضم عشرات ألوف المناضلين والعقاب الجماعي بفرض حصار غذائي وصحي على المواطنين… فكل ذلك من أعمال أهل الخير والبرّ والصلاح وماذا نسمي أيضاً وجود عشرات الألوف من خريجي السجون العراقية والسورية والإيرانية وهم يمارسون أبشع أنواع الوحشية. أكثر: ولماذا لا نسمي مشاركة حزب الله في حربه في سوريا استدعاءً؟ للارهاب: وعندما فجر الارهاب الأربعاء الماضي سيارتين أمام المستشارية الإيرانية، وضمن المربع الأمني لحزب الله وأوقع 10 شهداء ومئة وخمسين جريحاً بادر من بادر من الناطقين باسم الحزب و8 آذار إلى نفي اعتبار التفجيرين الارهابيين، رداً على قتال الحزب في سوريا، لكبح مطالبة أكثرية اللبنانيين بانسحاب الحزب من هناك. بل وصرح بعضهم قائلاً «يجب أن تكون مكافحة الارهاب البند الأول في البيان الوزاري». هذا ما توقعناه. ونظن أن من وراء هذا الهروب إلى الأمام، وتحويل أسباب الارهاب محاولة ايجاد غطاء حكومي لوجود الحزب في سوريا. وهكذا «تستنفر» الحكومة الجديدة (وهذا واجبها) لمحاربة ظاهرة الإرهاب في لبنان خصوصاً المواجهة ضد البيئات المحضونة من الحزب. واستبدال «مقولة» الشعب الجيش المقاومة، بأخرى أسوأ «الحكومة، الأمن، المقاومة في سوريا، ومكافحة الإرهاب في لبنان بمعزل عما يجري في سوريا. وهنا بالذات تكرس الحكومة وتشرعن اشتراك الحزب في الحرب دفاعاً عن النظام الكيماوي. بل أكثر: محاولة استدراج الحكم والحكومة ربما إلى تغطية جرائم النظام عبر تغطية جرائم الحزب كحليف له.

نعم! ومن يرفض إدراج بند مكافحة الإرهاب كأولوية في البيان الوزاري؟ ولكن في المقابل نرى إدراج ضرورة انسحاب الحزب المسلح من سوريا. فهذا البند اذا ما خلا من مطالبة الحزب بالانسحاب سيكون تبريراً ومشاركة في كل ارتكابات الحزب والنظام. طبعاً سيقول من يتكلم باسم الحزب و8 آذار، أن تنازلهم عن الحقائب الأمنية يجب ان يكون له مقابل. وقد يكون القصد اعفاء الحزب من أي مسؤولية في التفجيرات أكثر: وقد يكون القصد أيضاً جر الحكومة إلى ملاعب بعض المناطق اللبنانية التي يمعن الحزب والنظامان السوري والإيراني في تشويهها ودمغها بالارهاب… لتكون هناك ساحة «المكافحة» مثل عرسال وعكار والطريق الجديدة… لتصوير أن الارهاب يطلع أصلاً من البنيات السنية، المحلية، وليس وافداً من خارج الحدود ليرد على دعم إيران الحزب والنظام السوري. ولا نظن مثلاً ان استهداف المستشارية الإيرانية يمكن ان يُنسب إلى «ارهاب» محلي (اعلنت كتائب العزام مسؤوليتها عن التفجيرين الإرهابيين) أو يُصوّر وكأن هذه البيئات تنتج أصلاً الارهاب حتى ربما قبل تأسيس الحزب في إيران، وقبل جره إلى سوريا… وربما قبل الثورة السورية. ونظن أن وراء ذلك الفتنة، ذاتها، بتعميق الشرخ بين السنة والشيعة هنا وفي أماكن أخرى. وقد يُعيد الحزب بصراحته المعهودة وجود الإرهاب في لبنان إلى أيام الميليشيات في السبعينات حتى التسعينات: فإذا كان الأمر كذلك (يقول الحزب) فلماذا تعتبرون أن التفجيرات الإرهابية مرتبطة بقتالنا وقتلنا الشعب السوري (الذي حوله الحزب أيضاً في معظمه إلى تكفيريين: 20 مليون تكفيري في سوريا… والباقي، إذا تبقى أحد، ديموقراطيون، علمانيون، على صورة الحزب وولاية الفقيه والنظام البعثي)، ما نسوقه هنا ليس تشكيكاً، أو خروجاً على اللقاءات الوطنية في الحكومة… ولكن مجرد تعبير عن ضرورة أخذ الحيطة والحذر… لكي تنجح الحكومة في مختلف الاستحقاقات الأمنية والسياسية… والاجتماعية.

وهنا لا بد من القول إن بصيصاً يتسع في كل هذا الركام السياسي باحتمال بناء دولة قادرة واحدة، بجيشها وأمنها على حماية لبنان وقيمه الديموقراطية والتعددية والسياسية!

المهم ألا يُلدغ المؤمن الجُحر لا مرة واحدة بل مرات!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل