#adsense

سقى الله “لو كنت أعلم”.. فهي أقل سوءاً!

حجم الخط

  لم تعد مقولة «لو كنت أعلم»، وان مقرونة بما يورده أصحابها من ذرائع وحجج وتبريرات، تكفي من يذهب اليها في الفترة الحالية لتبرير عمل مشابه. أصبح المعني بها يردد على رؤوس الأشهاد «أعلم»، وأقوم بما أقوم به عن سابق تصور وتصميم، واذا كان هناك من يطلب مبرراً أو حجة أو ذريعة، فهما لدى الآخرين الذين عليهم هم أن يثبتوا العكس.

بكلمات أخرى، بات «حزب الله» يدعي أن لا حاجة به الى تبرير تدخله المشين في سوريا، بل ان على من ينتقد تدخله هذا أن يبرر هو لماذا لا يشن حربه الخاصةعلى التكفيريين والارهابيين والعصابات المسلحة، ليس في سوريا فحسب، وانما في لبنان أيضاً.

وهذا تحديداً ما فعله الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، عندما كان يتحدث في خطابه الأخير الى البيئة الحاضنة، ويشرح لها ما وصفه بـ «تنازلات» كبيرة قدمها لتشكيل الحكومة الجديدة، معلناً في الآن نفسه أن قواته لن تنسحب من سوريا بل ستبقى تقاتل فيها الى جانب النظام الى حين تحقيق «النصر» الذي قال انه سيكون قريباً وان تأخر لفترة بسيطة من الزمن.

هل تريدون تفسيراً لهذا الموقف من نصرالله؟. انه، كما قال، في القرارات الجذرية التي اتخذتها المملكة العربية السعودية في المدة الأخيرة، وفرضت فيها عقوبات قاسية على كل مواطن من المملكة يذهب للقتال خارج بلاده.

ولماذا؟. لأن المملكة تخشى، كما أضاف قائلاً، أن يعود هؤلاء الى بلادهم فيعيثون فيها ارهاباً للمواطنين وللدولة بعد الخبرات التي يكونون قد اكتسبوها في أعمالهم القتالية في الخارج، والأمر نفسه، قال في الخطاب اياه، ينطبق على تونس التي اتخذت قرارات مشابهة وبدأت تعمل جاهدة على منع مواطنيها من التوجه الى القتال في سوريا، أو في أي بلد آخر، الآن أو في المستقبل.

واذاً، فلا حاجة في رأي الأمين العام لـ «حزب الله» الى ابداء أي ذريعة، أو ايراد أي سبب، بما في ذلك مقولة نصرالله الشهيرة «لو كنت أعلم»، لتبرير ارسال قوات حزبه للقتال في سوريا أولاً، ثم لقراره ابقاءها هناك حتى تحقيق «النصر» لنظام بشار الأسد ضد الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة، ثم لاشتراكه مع ذلك كله في حكومة لبنانية جديدة يفترض على الاقل ألا تخرج عن سياسة «النأي بالنفس» التي قررتها حكومته السابقة وذهبت قواته للقتال داخل الأراضي السورية تحت لوائها.

«لماذا يحق لكل دول العالم، وخصوصاً السعودية وتونس وغيرهما، أن تقلق من وجود شبابها في الجماعات المسلحة (التكفيرية والارهابية) التي تقاتل في سوريا ولا يحق لنا كلبنانيين، ونحن جيران سوريا وأكلنا وحياتنا ومصيرنا مرتبط بما يجري فيها، أن نقلق بدورنا؟. بل لماذا لا يحق لنا اتخاذ اجراءات وشن حرب استباقية (سموها كما تريدون، قال نصرالله)» وهو يحاول تبرير تورطه، وتوريط لبنان شعبا وحكومة، في الحرب السورية؟.

قبل خطابه هذا بخطاب واحد، كان نصرالله يتهم الدولة السعودية ليس بتشجيع مواطنيها على السفر الى سوريا للقتال ضد النظام فيها فحسب، بل وبارتكاب أعمال ارهابية مباشرة (متفجرة السفارة الايرانية في بيروت على سبيل المثال)، ويشن حملة مسعورة على كبار المسؤولين فيها بدعوى أنهم ينشرون الفكر التكفيري في العالمين العربي والاسلامي، فضلاً عن أنهم يشجعون ويمولون ويسلحون الجماعات التي تتبنى هذا الفكر، سواء كانت تقاتل في سوريا(وفي العراق) تحت اسم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» أو «جبهة النصرة» أو لا تقاتل في أي مكان.

ليس هذا فحسب، بل انه كان يتهم السعودية وغيرها من دول الخليج العربية بدعم وتشجيع وتمويل (وحتى تسليح؟!) كل من يقف من الشعب اللبناني وقواه السياسية الى جانب الثورة السورية، فضلاً عن أن يقدم أدنى مساعدة الى مئات آلاف النازحين السوريين من بلادهم تقيهم غائلة الجوع والبرد والتشرد في العراء من دون مأوى.

نسي نصرالله في حملته هذه، بل تناسى عامداً متعمداً، أن السعودية خاضت على مدى السنوات الماضية حرباً شاملة ومتعددة الجبهات في بلادها، وبمختلف الوسائل والأساليب بما فيها البرنامج الذي أطلق عليه اسم «المناصحة»، لمحاربة هذه الجماعات في كل مكان ومن دون هوادة، ومحاولة رد المضللين من بين أفرادها عن غيهم، فضلاً عن اعتقال المئات منهم ومحاكمتهم والحكم عليهم وتنفيذ هذه الأحكام من قبل القضاء السعودي. نسي ذلك كله، ولم يذكر في خطابه (لأنه وجد ذريعة يبحث عنها) سوى قراراتها الأخيرة بتحذير أي مواطنين سعوديين قد يقعون ضحية تضليل هذه الجماعات من تكرار أخطائهم السابقة!.

ونسي نصرالله، بل تناسى عن سابق تصور وتصميم كذلك، أن الجماعات الارهابية اياها («القاعدة» وغيرها من المسميات) لم تخف يوماً، بل أعلنت جهاراً نهاراً وفي كل مناسبة، أنها تضع السعودية ومصالحها في الخارج في رأس قائمة أهدافها التخريبية، وأنها نفذت تهديداتها أكثر من مرة وفي أكثر من منطقة ان في داخل المملكة أو في العالم العربي أو في الخارج.

هل يمكن أن يقنع مثل هذا الكلام بيئة «حزب الله»، أو ما يسميه نصرالله «البيئة الحاضنة للمقاومة» ان في تبرير تدخله المسلح في سوريا أو في حملته المشبوهة على السعودية وتوجيه الاتهامات لها يميناً ويساراً … في لبنان، كما في سوريا والعراق وغيرهما من البلدان العربية؟.

كانت مقولة «لو كنت أعلم» أفضل بكثير، ولو أنها لم تنفع كثيراً في ما مضى ولم تعد تنفع بتاتاً وعلى طول الخط الآن.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل