كتب أنطوان فرح في صحيفة “الجمهورية”:
يدرك وزير السياحة الجديد ميشال فرعون، انه عندما وافق على تولّي حقيبة السياحة في الحكومة السلامية، انما قبِل التحدّي الأصعب. لكن ما يدعو الى التفاؤل في هذا المجال، انّ الرجل يتعامل بواقعية وبراغماتية، ويعتبر انّ النجاح السياحي يرتبط بطريقة أو بأخرى بالنجاح السياسي للحكومة، بما يسمح بالاعتقاد انه قد ينجح حيث عجز الآخرون.
لا يدّعي ميشال فرعون انه سيجترح المعجزات في وزارة السياحة، لكنه يؤكد انه سيتعامل مع المشكلة وفق مقولة: داوني بالتي كانت هي الداء. وقبل أن يدخل على توصيف المشكلة، يحرص ميشال بيك على تسليط الضوء على أهمية القطاع السياحي في الاقتصاد الوطني. وهو يدرك ان ايرادات السياحة تشكّل حوالى 15 الى 20 في المئة من الناتج الوطني. وبالتالي، من المُلحّ إعادة ضَخّ الاوكسيجين في جسد هذا القطاع، اذا كان الهدف دعم الاقتصاد الوطني. ويُدرك فرعون كذلك ان المؤسسات السياحية اصبحت في وضع صعب، ولا بد من خطة انقاذية سريعة.
في هذا السياق، يقول فرعون انّ ما يُعرف بالحظر الخليجي على قدوم الخليجيين الى لبنان، يعود الى اسباب مُركّبة، تبدأ بالسياسة، وتمر بالأمن، وتنتهي بالارهاب الذي أطلّ على لبنان أخيراً مع التفجيرات الانتحارية التي يشهدها البلد، والغريبة عن تقاليدنا ومفاهيمنا الوطنية.
انطلاقاً من هذا التوصيف، يوضح فرعون انه غير واهم، ولا يعتقد ان عودة السائح الخليجي ترتبط بعنصر واحد من هذه العناصر الثلاثة. اذ انّ انقطاع السائح الخليجي عن لبنان بدأ أولاً في السياسة، حين اتخذ لبنان الرسمي مواقف غريبة عن تاريخه. ولم تخرج الحكومة السابقة عن الاجماع العربي بالنسبة الى الأزمة السورية فحسب، بل تخطّت الحياد والنأي بالنفس الذي ادعته، الى اتخاذ موقف داعم للنظام السوري في وجه الإجماع العربي. هذه النقطة هي الاساس في اتخاذ قرار لدى حكومات دول الخليج العربي بمقاطعة لبنان. ونحن نعرف انّ المقاطعة السياحية، تشمل أموراً أخرى قد لا تقلّ أهمية، من ضمنها تجميد الاستثمارات، ودخول الرساميل الى البلد.
ويرى فرعون انّ القطيعة الخليجية التي بدأت بقرار سياسي، تدعّمت بواقع أمني شهده لبنان في الحقبة التي تلت القرار. فتفلّت الوضع، ورحنا نشهد عمليات خطف طاولت خليجيين، ولاحقاً الأتراك. هذا التطور ساهم بدوره في تعميق أبعاد قرار المقاطعة، وأدّى عملياً الى خفض الخروقات التي كان يقوم بها خليجيون من خلال زيارة لبنان على رغم الحظر. ومن ثم شهدنا أخيراً وصول الارهاب الانتحاري الى لبنان، حيث اشتدت وتيرة التفجيرات الارهابية، وساد جو من الرعب المستورد، والذي اعتقد انّ «حزب الله» تسبّب به من خلال دخوله الى سوريا للمشاركة في القتال الى جانب النظام. وهكذا اكتملت ثلاثية السياسة والأمن والارهاب، والتي أدّت فعلياً الى جفاف تام على مستوى جذب السيّاح الى لبنان، وصرنا بلداً بلا سيّاح بكلّ ما للكلمة من معنى. والاحصاءات التي تتحدث عن أعداد السياح الذين يأتون الى لبنان على رغم هذه الظروف، قسم كبير منها يتعلق بلبنانيين يحملون جنسيات أخرى، ويستخدمون جوازات سفرهم الأجنبية للتنقّل، فيجري احتسابهم على اساس أنهم سيّاح. واذا استثنينا هؤلاء من الاحصاءات سوف يتبيّن لنا انّ البلد شبه قاحل سياحياً.
ينتقل فرعون للحديث عن الحلول الممكنة، ويؤكد أن المعالجة الحقيقية للوضع السياحي تبدأ بالسياسة. وبالتالي، فإنّ المسؤولية هنا لا تضطلع بها وزارة السياحة منفردة، بل ينبغي أن تتم بالتعاون مع الحكومة. وإذا نجحنا في الحكومة، في تغيير الصورة النمطية التي رسّختها الحكومة السابقة حيال المجتمع العربي، ومن ضمنه الخليجي، نكون قد خطونا الخطوة الاولى نحو المعالجة. ويجب ان نستتبع هذه الخطوة بأخرى تستند الى جولة خليجية أرى انها تكون مجدية أكثر اذا تمّت من خلال رئيس الحكومة تمام سلام. وقد فاتحته في هذا الموضوع، وتبين انه يضع هذا الملف في أولوياته. وبالتالي، الجولة الخليجية هي تحصيل حاصل، لكن يجب ان تتمّ في التوقيت السليم لكي تأتي الثمار المرجوّة منها. وهذا ما سنعمل عليه.
ويرى وزير السياحة انّ التهدئة السياسية التي تمّت مع تشكيل الحكومة، ينبغي ان تستتبعها تهدئة أمنية، وهو أمر ليس صعباً في ظل التوافق السياسي. وعندما يتوافر هذان العنصران نكون قادرين على إعادة سكة السياحة الى الانتعاش. أمّا الارهاب المستجد، فقد نتمكّن من استئصاله في حال انتفت الاسباب، ومنها انسحاب «حزب الله» من سوريا. كما انّ المناخ التوافقي المحلي والخارجي، قد يساعدنا على كشف الارهابيين وضربهم. وعندما نصل الى هذه المرحلة تكون خطة المعالجة قد اكتملت.
في النتيجة، يعرف الوزير فرعون انّ المؤسسات السياحية المضروبة منذ ثلاث سنوات لا تستطيع انتظارالخطط الانقاذية طويلاً. وبالتالي، يضع في حسابه ان هذه المؤسسات تحتاج فوراً الى مساعدات لكي تصمد بانتظار بدء المعالجات على الارض. وهو من اجل ذلك يستمع حالياً الى آراء روّاد القطاع، ويطّلع عن كثب على مشاكلهم لكي يباشر العمل مع الجهات المختصة، ومن ضمنها مصرف لبنان والقطاع المصرفي، بالإضافة الى مؤسسات رسمية معنية بدعم القطاع من خلال خفض الكلفة، لمساعدة هذه المؤسسات على الصمود بانتظار عودة السياحة الى عصرها الذهبي.
يبقى السؤال هل ينجح ميشال فرعون في تحقيق هذه الطموحات؟
من الواضح انّ السياحة، كما سواها من القطاعات، تحتاج الى نجاح جماعي على مستوى الحكومة، ومن دون هذا النجاح يصعب توقّع نجاحات باهرة على المستوى الفردي، ولو أنّ كل وزير سيترك بصمته الخاصة في الحقيبة التي سيتولّاها.