فعلى رغم خطورة هذه الظواهر، إلّا أنّ مواجهتها لا تتم عن طريق استئصالها من دون معالجة الأسباب الكامنة وراء قيامها وتطورها، لأنّ استئصالها مستحيل قبل معالجة أسبابها، وكل المحاولات الرامية إلى تضخيم هذا النوع من الإرهاب مكشوفة، وهدفها استغلاله تحويراً للأنظار عن دور محور الممانعة وممارساته، وتبريراً للقتل المنظّم الذي يمارسه.
وليس خافياً على أحد أنّ النظام السوري ومَن خلفه سعيا في «جنيف 2» إلى تبديل الأولويات الدولية من الذهاب إلى المرحلة الانتقالية إلى توحيد الجهود الدولية لمواجهة الإرهاب، وقد استخدم كلّ الوسائل في هذا السبيل، وأبرزها العامل الأقلّوي، وتحديداً المسيحي. وما يحصل في سوريا ينسحب على لبنان، حيث يدفع «حزب الله» باتجاه تحديد عنوان المرحلة تحت عنوان أوحد اسمه الإرهاب، الذي يجب، بالنسبة إليه، أن يتوحّد اللبنانيون لمواجهته وإسقاط كل العناوين الأخرى المتصلة بقتاله في سوريا، وسلاحه في الداخل بذريعة المقاومة، علماً أنّ أي قراءة موضوعية للصعود البياني لهذا الإرهاب تَخلص إلى اعتبار أنه لم ينشأ في سوريا إلّا بعد تلكؤ الغرب في حسمها، ولم يدخل لبنان إلّا بعد دخول «حزب الله» على خط الأزمة السورية.
وعلى رغم خطورة هذا النوع من الإرهاب، إلّا أنّ الأخطر يبقى دور محور الممانعة لثلاثة أسباب:
أولاً، الاغتيال السياسي والتصفية الجسدية التي يقوم بها محور الممانعة تبقى أخطر ألف مرة من التفجيرات الإرهابية، لأنّ الأولى منظمة وتنمّ عن عقلية حاقدة وهادفة إلى إلغاء الآخر تثبيتاً لنفوذها وللحؤول دون أي تغيير في الخريطة السياسية. فالاغتيالات التي استهدفت قادة 14 آذار تدخل في سياق التكفير السياسي الذي لا يقبل الآخر، كما لا يقبل الاحتكام إلى الديموقراطية، ووسيلته الوحيدة العنف والترهيب والإرهاب والقتل للتخلّص من أخصامه.
ومن هنا المشكلة الأولى في لبنان، وتحديداً منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة وصولاً إلى اغتيال الشهيد محمد شطح، تتمثّل بالتكفير السياسي، أي الاغتيال السياسي، ولا مشكلة تعلو على هذه المشكلة من قبيل العمليات الإرهابية وغيرها.
ثانياً، قتل الشعب السوري بالبراميل المتفجرة والمجازر الجماعية حفاظاً على مكاسب سلطوية ورفضاً للامتثال للمطالب الشعبية يفوق بأضعاف العمليات الإراهبية التي جاءت رداً على ممارسات النظام السوري. فماذا يمكن تسمية هذه الممارسات على مدار عقود وعقود وصولاً إلى الأزمة الراهنة؟ لا بل من الخطأ القول إن الإرهاب التكفيري والإرهاب الديني وجهان لعملة واحدة، ليس فقط لأنّ الخطر الأكبر متأت من الإرهاب السياسي، بل لأنه المسبّب الأساس للإرهاب الديني، أو الذي يختبئ خلف الدين.
ثالثاً، السلوك الاستكباري لمحور الممانعة وسَعيه إلى مدّ نفوذه داخل دول المنطقة وزعزعة استقرارها ومصادرة قرارها، أعاد إحياء الفتنة السنية-الشيعية، وحوّل مجرى الصراع من مواجهة إسرائيل إلى التصدي لأطماع الممانعة وأهدافها. وقد ولّد هذا السلوك في لبنان وسوريا والعراق ودول أخرى شعوراً بالمظلومية والاستهداف والإلغاء والحقد والكراهية، الأمر الذي أدى إلى ما أدى إليه من ردود فعل إجرامية وانتقامية.
إنّ كل ما تقدم لا يعني تبريراً للإرهاب المرفوض جملة وتفصيلاً، إنما وضعاً للأمور في نصابها في ظل محاولات تحوير الأنظار عن المشكلة الأساس المتمثلة بالتكفير السياسي الذي يشكّل حلّها مدخلاً لمعالجة التكفير الديني.
