#adsense

رئاسة الجمهورية لعنة عمرها 71 سنة؟!

حجم الخط

فيما نحن على ابواب استحقاق انتخاب رئيس جديد للجهمورية في 25 ايار المقبل، ونسبة تحقيق هذا الاستحقاق لا تتعدى الخمسين بالمئة وفق المواقف السياسية المختلفة، يكثر الحديث حول مواصفات الرئيس المقبل، وما يفترض او يجب ان تكون عليه، او يحاول كل فريق ان ينزل هذه المواصفات على مرشحه المفضل او يؤمن حقيقة بان انتخاب رئيس قوي من شأنه ان يعيد الاعتبار للوجود المسيحي في لبنان واستطرادا في العالم العربي. من المفيد في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ لبنان ان نذكر وباختصار، ما واجهه رؤساء الجهمورية، ممن كانوا يملكون صلاحيات كبيرة واساسية في الدستور اللبناني منذ الرئيس الشيخ بشارة الخوري، حتى الرئيس الشيخ امين الجميل او الذين حكموا في ظل دستور الطائف، منذ الرئيس الشهيد رينيه معوض وحتى الرئيس الحالي العماد ميشال سليمان.

في العام 1952، اسقط الشعب اللبناني، بحركة اعتراضية سلمية على فساد عهده، الرئيس القوي بشاره الخوري في منتصف ولايته الثانية، وانتخب كميل شمعون القوي رئيسا للجمهورية ولكن «ميني» ثورة مسلحة نشبت في نهاية عهده في العام 1958 لمنعه من تجديد ولايته، واختار النواب بدعم من قوى خارجية اللواء الامير فؤاد شهاب قائد الجيش القوي، رئيسا للجمهورية، ومع ذلك تعرض الرئيس شهاب الى محاولة انقلاب قام بها ضباط من الجيش اللبناني يدينون بالولاء للحزب السوري القومي الاجتماعي في عام 1961، ذهب ضحيتها عدد غير قليل من القتلى المدنيين والعسكريين، وبعد انتهاء عهده في العام 1964، انتخب مجلس النواب الذي كان يضم اكثرية نيابية مع نواب ما يسمى بـ «النهج الشهابي»، شارل حلو ليكمل الحقبة الشهابية وهو ايضا لم ينج من تظاهرات دامية واعمال عنف في العام 1969، على اثر انطلاق المقاومة الفلسطينية المسلحة من لبنان بدعم كبير وتأييد من القوى اليسارية، والفريق المسلم، ما استدعى تدخل الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان عراب «اتفاق القاهرة» الذي اباح للفلسطينيين وحلفائهم المقاومة المسلحة من لبنان في منطقة العرقوب التي اطلق عليها اسم «فتح لاند» وعندما خلف سليمان فرنجية الرئيس حلو في رئاسة الجمهورية بدأ يواجه سريعا تمدد الفلسطينيين في مناطق عدة من لبنان، خصوصا في العاصمة بيروت والضواحي، ونشبت الحرب اللبنانية – الفلسطينية في عهده، اولا في العام 1973، وتجددت في العام 1975 وهجرت الرئيس فرنجية «القوي» من قصر بعبدا الى بلدة الكفور في كسروان، وانتخب الياس سركيس رئيسا للجمهورية قبل انتهاء ولاية فرنجيه بستة اشهر، ولكن هذا الانتخاب لم يوقف الحرب في لبنان، واستمرت طول عهد سركيس الذي رفض ان يجدد او يمدد ولايته المنتهية في العام 1982 والتي عاشت اكثر من نصفها في الملاجئ.

الشيخ بشير الجميل «القوي» كان الرئيس السابع للجمهورية وقد انتخب في ثكنة الفياضية لتعذر انتخابه في مقرّ مجلس النواب شبه المدمر، ولكن يد الاغتيال طالته، واستشهد قبل ايام قليلة من تسلم منصبه رسميا ودستوريا، وانتخب شقيقه امين خلفا له ولسركيس في وطن يغرق في الدماء والدموع، والمجازر، واستمر الحال على هذا المنوال، ولو في شكل متقطع، طول عهد الرئيس الجميل «القوي» الذي عجز حتى عن تشكيل حكومة «طبيعية» مدنية يسلمها السلطة بعد انتهاء عهده في 1988، فسلمها الى المجلس العسكري برئاسة العماد قائد الجيش ميشال عون وسرعان ما اعلن الضباط المسلمون الثلاثة رفضهم المشاركة في الحكومة، فاستمرت وقفاً على الضباط المسيحيين الثلاثة في وجه حكومة ثانية كاملة برئاسة سليم الحص، وشهد لبنان في ظل هذه الحكومة ثلاث حروب، مدمرة، حرب التحرير وحرب الالغاء، وحرب اسقاط حكومة عون ونفيه الى فرنسا، وبهذه الحرب انتهت عهود الرؤساء اصحاب الصلاحيات الاقوىاء منهم والعاديين. بعدما كان بدأ عهد الطائف بانتخاب رينيه معوض رئيسا للجهمورية في فندق في زحلة، وانتقاله الى شقة في بيروت «الغربية» واغتياله في يوم عيد الاستقلال، بعدما رفض استعمال القوة ضد حركة العماد عون الانفصالية، وبعد مرور حوالى الشهر على انتخابه رئيسا، وانضم الى قافلة رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومة الشهداء.

الوصاية السورية السياسية والعسكرية امنت للرئيس الياس الهراوي خلف الرئيس الشهيد رينيه معوض، حدا معقولا من الامن والاستقرار، ولكن على حساب الحريات العامة والسيادة والاستقلال التام وقمعت في عهده، وفي عهد خلفه العماد اميل لحود، اي تحرك اعتراضي وخصوصا من قبل حزب القوات اللبنانية الذي حلّ وسجن الالوف من افراده، بعد اعتقال رئيسه الدكتور سمير جعجع وتركيب ملفات بحقه والحكم عليه سياسيا بالسجن المؤبد، والتيار الوطني الحر الذي تعرض العديد من قيادييه وانصاره الى الضرب والتوقيف، وكان يمكن لعهد العماد لحود، ان ينتهي كعهدي بشاره الخوري وسليمان فرنجيه، بعد اغتيال رئيس الحكومة الاسبق رفيق الحريري، وتظاهرة 14 اذار المليونية، لولا موقف البطريرك نصر الله صفير الرافض لزحف الجماهير الى قصر بعبدا واجبار لحود على الاستقالة.

العماد ميشال سليمان، الذي انتخب رئيسا توافقيا حياديا على مسافة واحدة من جميع الافرقاء، لم يستطع ان يحكم كما كان يرغب وكما يفترض ان يكون رئيس الجمهورية لاسباب عديدة، اهمها انقسام الشعب اللبناني، عاموديا بين فريق 14 اذار الرافض لاي سلاح او قرار خارج السلطة الشرعية، وبين فريق 8 اذار الرافض لوضع سلاح المقاومة بامرة القرار السياسي والعسكري للدولة، وثانيها اندلاع الاحداث في عدد من الدول العربية وسقوط انظمة وقيام انظمة اخرى، وامتدادها الى سوريا الدولة الاقرب حدوديا للبنان، وتأثير ذلك على الداخل اللبناني، خصوصا بعد انفجار الحالة الارهابية في سوريا ودول اخرى وانغماس فريق من اللبنانيين فيها، ما جعل الامن يهتز في اكثر من مرة لكن هذا الاهتزاز لم يتحول الى فتنة او حرب، اقله حتى الان، وهذا امر يسجل لعهد سليمان.

هذه البانوراما التوثيقية للمصاعب والمآسي التي واجهتها عهود 12 رئيسا للجمهورية، في خلال 71 سنة، بعضهم يعتبر من الاقوياء وبعضهم من العاديين او الضعفاء، هل تعطي منصب الرئاسة الاولى هذه الاهمية التي يتوقف عندها المسيحيون عموما والموارنة خصوصا، ام هي لعنة لا تستحق كل هذا العناء والتضحيات والعداوات من اجل الوصول اليها، خصوصا بعدما تحولت الرئاسة الاولى في عهد الطائف الى طبل اجوف لا يعتدّ الا بصوته، بدلا من ان يكون ذا قيمة يعتد بقوة صلاحياته؟

المصدر:
الديار

خبر عاجل