العجز العربي من دمشق إلى كييف

                                                 

ردود الفعل العربية الرسمية، الصامتة منها أو الخجولة، والشعبية والنخبوية منها من أحداث أوكرانيا، ومأزق «القيصر» فلاديمير بوتين، وموقف الغرب، تؤكد حجم العجز العربي، المتطابق مع العجز الذاتي أمام سوريا. العرب يلهثون وراء الأحداث، ومواقفهم دائماً مجرّد ردود فعل لا أفعالاً تشارك في صناعة القرارات النهائية.

جبهة الممانعة «تباكت» على مأزق «القيصر» ولولا قلّة من الحياء حتى الآن لاتهمت الحركة الشعبية الاوكرانية بالتآمر مع «الامبريالية الأوروبية والأميركية» معاً ضدّ الرئيس الاوكراني فيكتور يانوكوفيتش، خصوصاً بعد الاكتشاف المدوّي بأنّ زعيمة المعارضة الخارجة من السجن إلى الزعامة يوليا تيموشينكو، بأنّ والدها أرمني. أما جبهة الاعتدال فاكتفت بالشماتة من القيصر بوتين الذي تجبّر في سوريا، ورضخ في أوكرانيا رغم أنّها جزء من «صحن الدار» الروسية! فصدرت تعليقات شعبوية من نوع «دب» في سوريا، و»أرنب» في أوكرانيا. أيضاً يؤكد كل ذلك أنّ هذه الجبهة مثل تلك دورها مستمر بالجلوس في مقعد المتفرّجين والمصفّقين.

في جميع الأحوال، لا شك أنّ «القيصر» بوتين تلقى ضربة موجعة في أوكرانيا. من الصعب جداً تعويضه عنها حتى ولو نقل سوريا كلها إلى «صحن داره». أوكرانيا «البلد الشقيق» كما وصفها بوتين لا تُستبدل ولا تُعوض، خسارتها تشكّل نهاية لأحلام «القيصر« في إقامة «اتحاد اقتصادي» يجمع كل دول الاتحاد السوفياتي سابقاً.

ردّ فعل واشنطن وأوروبا الهادئ والمتصالح، يؤكد استيعابهما لحراجة الموقف ودقّته. لا يجب إثارة «الدب» الروسي بعد أن أصيب بجرح بالغ. واشنطن وبرلين وباريس تعرف جيداً أنّه لا يمكن لأوكرانيا أن تنزع عنها «المعطف الروسي» وهي في «الصحراء الجليدية». كييف مضطرة للأخذ في الاعتبار طلبات موسكو التي تكاد أن تكون شروطاً غير قابلة للتفاوض، ومنها:

[ المحافظة على الوجود والتسهيلات البحرية للأسطول الروسي في البحر الأسود.

[ تفاوض أوكرانيا للانضمام إلى الحلف الأطلسي ممنوع. لأنّ إدخال الحلف إلى «ساحة الكرملين» عبر ميدان كييف مثل خسارة الحرب.

[ احترام حقوق الروس في أوكرانيا.

الاعتدال الغربي بعد سقوط يانوكوفيتش يؤشّر إلى اكتفاء الغرب بما حصل عليه رضوخ «القيصر» لإرادة الأوكرانيين يتساوى مع الاعتدال الغربي.

يبقى أنّ مواقف موسكو وواشنطن وبرلين وباريس من أحداث أوكرانيا ومن سوريا، تؤكد أنّ لغة المصالح هي التي تفرض كل المعادلات. كما تؤكد حجم «الخبث السياسي» الغالب في كل المواقف. العواصم الأربع استكثرت سقوط مائة قتيل أوكراني، وخافت من المشاعر الانفصالية بينما هذه العواصم نفسها لا يعنيها سقوط أكثر من مائتي ألف قتيل سوري والعمل على تقسيم سوريا واستمرار الرئيس بشار الأسد في ضرب الشعب السوري مرّة بالسلاح الكيماوي ودائماً بالبراميل المتفجّرة (التي لا تقل خطراً ولا دماراً ولا إرهاباً عن السلاح الكيماوي)، ولا تدعم تنحيته، في حين أنّ الرئيس الاوكراني ترك (أو أُجبر) على مغادرة قصره الرئاسي حتى لا «تتسورن» أوكرانيا أو تضطر موسكو إلى التدخّل العسكري المباشر مع ما يعني ذلك من أخطار ضخمة غير محسوبة.

القرار الأممي الأخير بالإجماع ومن دون فيتو روسي صيني، خطوة أولى نحو تبلور معادلة جديدة لم تكتمل بعد، ترتكز على القلق المزدوج لموسكو وواشنطن وباريس وبرلين من انفجار أوكرانيا وتحوّل «الملعب السوري» إلى «مصنع للإرهاب».

تنفيذ القرار الأممي المتعلّق بالممرّات الإنسانية سيؤشّر إلى التحوّلات القادمة. الأسد يطالب باحترام السيادة السورية. لا يمكن لباريس أن تتناسى بأنّها صاحبة مبدأ «السيادة الإنسانية» الذي لا حدود لتنفيذه أمامها.

العالم كله يتغيّر… بانتظار أن يتغيّر العرب حتى لا يخرجوا من التاريخ والجغرافيا معاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل