| «حزب الله» يحاول حصر مهمة الحكومة بمكافحة الإرهاب تهرّباً من مسؤوليته وإستمرار تدخّله في سوريا وتفلّت سلاحه يُعيقان مهمة الدولة بالحدٍّ من الجرائم الإرهابية يبدو أن مقاربة سلاح «حزب الله» لا يمكن أن تتم بمعزل عن موافقة القيادة الإيرانية مباشرة! |
يحاول «حزب الله» بخطابه السياسي على لسان معظم قيادييه ونوابه هذه الأيام حصر مهمات الحكومة الجديدة وتحديد أولوياتها بمحاربة آفة الإرهاب التي تضرب لبنان متجاهلاً دوره وممارساته الترهيبية ومشاركته الواسعة بالحرب الدائرة في سوريا لإنقاذ نظام الرئيس بشار الأسد من السقوط، من التسبّب المباشر بتنامي هذه الظاهرة الاجرامية التي باتت تهدد أمن واستقرار اللبنانيين دون استثناء، وساعياَ لرمي مسؤولية إرتكاباته على الحكومة الجديدة.
لا شك أن مسألة محاربة ظاهرة التفجيرات الإرهابية وكل ما يتصل بها من أعمال إجرامية، باتت مسألة ملحّة ومهمّة تتطلب مكافحة من الحكومة الطريّة العود نسبياً، وهي تحتاج لتضافر جهود جميع المسؤولين والأطراف السياسيين بالتعاون مع المواطنين لتطويقها والقضاء عليها قبل تفلتها من عقالها واستفحالها كما يحدث في العديد من الدول المجاورة، ولكن محاولات «حزب الله» فرضها كأولوية على جدول أعمال الحكومة الجديدة على هذا النحو دون سائر القضايا والمسائل الحياتية والاقتصادية وتحريك مؤسسات الدولة، مع استمرار نهج وممارسات الحزب على ما هي عليه حالياً دون تغيير سيكبّل عمل الحكومة ويجعل من كل المعالجات مجتزأة في مكافحة هذه الآفة الخطيرة.
فالمطلوب أولاً لنجاح الحكومة في مهمتها في تطويق وملاحقة مرتكبي التفجيرات الإرهابية وظاهرة الإرهاب عموماً سحب جميع عناصر «حزب الله» وأسلحته من الأراضي السورية بشكل كامل وامتناعه عن التدخل عسكرياً وبأي شكل من الأشكال في الحرب الدائرة بسوريا ولإسقاط كل الذرائع والحجج التي يتذرع بها منفّذو هذه التفجيرات الإرهابية على الأراضي اللبنانية حسب الادعاءات التي تصدر عنهم.
فتهرّب «حزب الله» من مسؤولية المشاركة بالقتال في سوريا ومحاولته خلق تبريرات غير مقنعة لهذه المشاركة وإلصاق تهمة توفير البيئة الملائمة للإرهابيين بخصومه السياسيين في الداخل أو الخارج على حدٍّ سواء خلافاً لكل الوقائع لم يعد يجدي نفعاً ولا يسقط الذرائع عن الحزب مهما تفنّن في اختراع أساليب التهرّب من هذه المسؤولية، لأنه بالعودة إلى ما قبل انخراط الحزب في المشاركة بالحرب في سوريا لم يسجل أي تفجير إرهابي أو عمل انتقامي ضد الحزب أو مربعاته الأمنية أو مراكزه في أي منطقة لبنانية كما تدل الوقائع على ذلك.
وفي نظر العديد من السياسيين فإن انسحاب «حزب الله» من الحرب الدائرة في سوريا حالياً مستبعد كلياً، لأن قرار الانسحاب ليس بيده وإنما يصدر عن القيادة الإيرانية التي ما تزال حتى الساعة متمسكة بالقتال إلى جانب نظام بشار الأسد ضد المعارضة السورية، الأمر الذي يبقي ذريعة منفذي التفجيرات الإرهابية في لبنان قائمة، وبالتالي إحتمال تنفيذ مثل هذه الجرائم قائماً، برغم كل الاحتياطات المتخذة من قبل القوى الأمنية المولجة بهذه المهمة.
صحيح أن التفاهم السياسي الذي أسهم في ولادة الحكومة الجديدة بعد طول مخاض استمر لأشهر عديدة، قد أسهم في خلق حالة من الارتياح النسبي لدى المواطنين وساهم إلى حد ما في تبديد قسم كبير من أجواء الاحتقان السائدة بين مختلف الاطراف السياسيين، إلا أن هذا التفاهم المستجدّ لا يكفي وحده ليغلق الباب أمام موجة التفجيرات الإرهابية التي ضربت لبنان منذ أشهر، بل يتطلب الانطلاق نحو التلاقي بسرعة حول تطوير هذا التفاهم لمقاربة المسائل الخلافية التي تسهم في تباعد اللبنانيين وانقسامهم وخصوصاً البدء بمقاربة مسألة سلاح «حزب الله» بعقلية تشابه عقلية الانفتاح الذي حصل في مسألة تشكيل الحكومة الحالية وبعيداً عن أساليب التهويل والتهديد والاستقواء وما شابه. ولكن يبدو ان هذه المسألة الحسّاسة لا يمكن مقاربتها بمعزل عن موافقة القيادة الايرانية المعنية مباشرة بمسألة سلاح «حزب الله» كما صرح بذلك اكثر من مسؤول ايراني رفيع المستوى بهذا الخصوص، وهذا يعني استحالة البتّ بمصير سلاح «حزب الله» في هذه المرحلة، الامر الذي يؤدي إلى استمرار تداعياته وتفاعلاته على الواقع السياسي وفي علاقات الأطراف اللبنانيين بعضهم مع بعض.
لذلك، وفي ضوء استمرار مشاركة «حزب الله» بالقتال الدائر بسوريا في الوقت الحاضر دون أي تبدّل أو تغيير كما تدل الوقائع على ذلك، وبقاء سلاح «حزب الله» متفلتاً من أية ضوابط شرعية ورسمية، فهذا يعني بقاء الأبواب مشرعة امام ردود فعل متوقعة لهذا التدخل العسكري من قبل بعض المنظمات والحركات الجهادية في سوريا متذرعة بهذا التدخل، في حين سيبقى السجال قائماً بين الاطراف السياسيين بالداخل والاختلاف حول السلاح على ما هو عليه، وهذا يعني في النهاية بقاء كل الخطط والمعالجات والجهود المبذولة جزئية وغير قادرة على سد كل الثغرات وإغلاق كل الأبواب امام هذا النوع من التفجيرات الإرهابية الآتية من الخارج السوري بمجملها في ظل الوقائع القائمة حالياً.