خلال أيام اعلنت الولايات المتحدة عزمها على خفض موازنتها العسكرية وتقليص قواتها البرية الى ما كانت قبل الحرب العالمية الثانية، ولمحت الى إمكان سحب جميع قواتها من افغانستان من دون إبقاء قوة محدودة لتدريب الجيش الأفغاني ومواصلة التصدي لتنظيم “القاعدة”. وتزامن ذلك مع معلومات عن صفقة عسكرية بين إيران والعراق دفعت واشنطن الى طلب ايضاحات في شأنها من بغداد، لأن شراء أسلحة إيرانية، عدا أنه محرج للولايات المتحدة التي انفقت مبالغ خيالية وتكبدت خسائر بشرية مهمة في غزوها للعراق، ينتهك الحظر الدولي المفروض على تصدير الاسلحة الايرانية.
هذه التطورات الثلاثة أبرزت بوضوح ان ثمة حدودا مالية لنمو أكبر قوة عسكرية في العالم، وتصميماً على عدم التورط في حروب برية مكلفة في المستقبل المنظور، كما ابرزت على نحو سياسي نافر محدودية النفوذ الاميركي حتى في دولة هشة مثل افغانستان تنتشر فيها القوات الاطلسية، وقد لا تستطيع الاستمرار من دون الدعم العسكري الاميركي.
في الاشهر الاخيرة، راقب الاميركيون بقلق وغضب انزلاق العراق الى اقتتال مذهبي وعنف ارهابي، واكثر ما آلمهم هو مشاهدة الاعلام السود لتنظيم يسمى “الدولة الاسلامية في العراق والشام” ترفرف على جدران مدينة الفلوجة التي خاضت فيها قوات “المارينز” قبل عقد من الزمن أقسى معاركها منذ حرب فيتنام.
وعلى رغم استياء واشنطن من استمرار دعم العراق لنظام الاسد، وسماحه بعبور الامدادات والعناصر الامنية الايرانية الى سوريا، فضلا عن “المتطوعين” العراقيين، فانها أبقت علاقاتها العسكرية مع بغداد وأمدتها بالاسلحة والذخيرة، ووافقت على تزويدها طائرات مروحية هجومية. لكن بغداد، لجأت الى ايران لشراء الاسلحة، ولم يكن أمام واشنطن إلا طلب “الايضاحات”.
الثلثاء أجرى الرئيس باراك أوباما الاتصال الهاتفي الاول بينه وبين الرئيس الافغاني حامد كرزاي منذ حزيران من العام الماضي، على خلفية تدهور العلاقات بين الجانبين وبين الرئيسين، بسبب افراج كرزاي عن 65 سجيناً تقول واشنطن إن أيديهم ملطخة بدماء اميركية، واستمراره في رفض توقيع اتفاق أمني مع واشنطن لبقاء قوة اميركية محدودة بعد انسحاب القوات الاطلسية. والبيان الذي أصدره البيت الابيض بعد المكالمة لم يعكس عمق احباط أوباما وعدم ثقته بكرزاي فحسب، بل عكس ايضا عجز واشنطن عن إقناع “صديق” محلي مدين بمنصبه للحراب الاميركية بتوقيع اتفاق أمني.
وصل أوباما الى البيت الابيض تحت شعار انهاء اطول حربين في تاريخ البلاد ورثهما عن سلفه بوش. وهو سيفعل ذلك مدركا حقائق مؤلمة: العراق مرشح للانقسام او الدخول في الفلك الايراني او كليهما معا. وافغانستان مرشحة للسقوط مرة اخرى في أيدي “طالبان” و”القاعدة”.