خلافا لما كان متوقعاً من سرعة في إنجاز بيان وزاري مقتضب، يُسقط النقاط الخلافية بين «14 و8 آذار»، ثمة خشية من ان يؤشر التأخر في التوافق على صيغة موحدة الى عرقلة تواجهها عملية التسهيل الدولية- الاقليمية التي سمحت بولادة حكومة «جامعة». لكن هذه الحكومة ما زالت بحاجة الى نيل ثقة البرلمان لتوفير الدعم الدولي للبنان المرتقب تبلوره في الاجتماع المقرّر بعد اسبوع في العاصمة الفرنسية باريس.
وتبدو حيازة الحكومة على ثقة البرلمان ضرورية في رأي دول مجموعة الدعم الدولية التي تأسست في نيويورك قبل اشهر برعاية الامم المتحدة، لدعم لبنان على مختلف المستويات وخصوصا لمواجهة قضية النزوح السوري، تبعاً لمضمون مسودة مشروع البيان الختامي الذي تسرّب في بعض الصحف، كما في تشدّد رئيس الجمهورية ميشال سليمان بهذا الشأن في الاجتماع الذي عقده قبل ايام مع سفراء هذه الدول في اطار الجهود التحضيرية للمؤتمر.
لقد كانت مساهمة الارادة الدولية والاقليمية واضحة في انتاج التركيبة الحكومية بعد تعثر فاق عشرة اشهر تلبية لرغبتها في الحفاظ على الاستقرار في لبنان. ويصح السؤال عما اذا كانت هذه الارادة لا تزال على ما كانت عليه مع استمرار «حزب الله» برفض تمسك «قوى 14 آذار» بتعهدها انجاز بيان وزاري يُسقط ثلاثية «الشعب والجيش والمقاومة» ويكرس حياد لبنان عن المحاور الاقليمية بتبنيه «اعلان بعبدا»، الذي يتمسك كذلك الرئيس سليمان بإدراجه. وهذا كله رغم الاجماع المحلي على اهمية ان يتمثل لبنان بحكومة فعّالة بغض النظر عما اذا كانت حكومة «المصلحة الوطنية»، كما يسميها رئيسها تمام سلام، او هي حكومة «تسوية»، كما يصفها «حزب الله»، او حكومة «ربط نزاع»، كما صنفها الرئيس سعد الحريري.
لذا، ثمة من يتساءل عما اذا كانت المستجدات الدولية، خصوصاً في شأن اوكرانيا وانعكاساتها على دول الاقليم، من الاسباب التي ستحول دول التوصل الى البيان الوزاري المنشود الذي يسمح للحكومة بنيل ثقة البرلمان.
وفي هذا الاطار، من المشروع التساؤل عما اذا كنا سنواجه حربا باردة جديدة بين الشرق والغرب مع ملامح الخلاف المستجد بين الولايات المتحدة وروسيا، الذي اطل برأسه عبر ما شهدته وتشهده اوكرانيا، بعد مرحلة توافق سمحت بانجاز اول تفاهم بينهما على خطة التخلص من الاسلحة الكيماوية السورية ومن التوصل الى اتفاق مبدئي بين الغرب وايران بشأن ملفها النووي.
فروسيا التي اعتبرت انها استعادت الثنائية القطبية مع الولايات المتحدة وكرست نفسها مجددا موقعا دوليا لا يمكن تجاوزه، مستعيدة بذلك ألق ماضي الاتحاد السوفياتي الذي تقاسم مع الولايات المتحدة النفوذ على الساحة الدولية لعقود، عبر مساهمتها في هذين الانجازين، واجهت فشلا موصوفا في خسارتها نظام اوكرانيا، حليفها الذي كانت تراهن عليه لإقامة اتحاد اقتصادي بين دول الاتحاد السوفياتي السابق يوازي الاتحاد الاوروبي.
ويتساءل مراقبون عن احتمالات مواجهة موسكو خسارتها بالقوة العسكرية خصوصا بعد الاعلان أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طلب «اجراء اختبار لجهوزية القوات»، لتكرر بذلك ما قام به الاتحاد السوفياتي عام 1968 عندما ارسلت موسكو دباباتها لتجتاح العاصمة التشيكوسلوفاكية السابقة، فقضت على «ربيع براغ».
من ناحية اخرى، لا بد من ان يؤدي انشغال روسيا بأوكرانيا، باعتبارها مركز تطلعاتها التوسعية، وما يمكن ان يستتبع ذلك من تحركات مشابهة في دول اخرى من الجمهوريات السابقة في الاتحاد السوفياتي، الى تراجع في دعم حليفتها ايران وهي تخوض غمار المرحلة الثانية من مفاوضاتها مع الغرب للتوصل الى اتفاق نهائي، في شأن ملفها النووي بما يرفع عن كاهلها كل العقوبات. كما يصح التساؤل «هل تنعكس الخسارة في اوكرانيا اعادة نظر لموقفها من النظام السوري وبالتالي ما يستتبع ذلك من انعكاس على لبنان؟. يضاف الى ذلك عدم تبلور اي مؤشرات عن تقارب ايراني سعودي بعد وفرة معلومات تداولتها وسائل الاعلام عن مساع في هذا الاطار.
ومن اول انعكاسات هذه الخسارة موافقة موسكو على القرار الدولي 2139 في شأن المساعدات الانسانية الى المدنيين في سوريا، وقف الغارات ورفع الحصار بنص يفتح الباب مواربة على عقوبات اذا لم يتم الالتزام بما حمّل السلطة السورية مسؤوليته.