وجدتها كوكاكولا. أطلقت شركة المشروبات الغازية العالمية إعلاناً جديداً بعنوان: “سوشل ميديا غارد” أو “حارس مواقع الاعلام الجديد”. لمست الشركة المُفارقة التي تهيمن على حياة معظم الأفراد حول العالم: وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي الى عزلةٍ اجتماعية. لحلّ مشكلة الإدمان على استخدام الهواتف الذكية، ابتكرت كوكاكولا منتجاً (وهمياً) يعيد الانسان الى طبيعته الاجتماعية. هذا المنتج هو عبارة عن طوقٍ أحمر يلف الرقبة بطريقةٍ تعيق الرؤية الى أسفل وتحديداً إلى الهاتف الذكي. يجبر الطوق المرء على رفع رأسه والنظر إلى أعلى، وبالتالي استعادة التواصل الفعلي ليس مع الأشخاص وحسب، بل مع الحياة كلها.
“هناك عالم تصرفُك عنه وسائل التواصل الاجتماعي، عالم حقيقي، ذلك الذي يحدث حينما تفرغ بطارية الهاتف”، يقول الصوت المرافق للإعلان. بقالبٍ طريفٍ، يرينا الإعلان (1:50 دقيقة) نماذج من الفرد المهووس بهاتفه الذكي. رؤوس منحنية طيلة الوقت، عيون مشدودة الى شاشة الجهاز المستطيل. بدلاً من الاستمتاع بالعشاء مع الأصدقاء، يصوّر هؤلاء أطباقهم ويشاركونها على صفحاتهم “الاجتماعية”. وعوضاً عن مشاركة الأب وجبة الغداء مع زوجته وأطفاله، ها هو يحدّق في هاتفه كأنه يجلس بمفرده. تلك المفارقات الكوميدية في الظاهر، لا تخفي مشكلة الهوس بالبقاء أونلاين على حساب حياتنا الشخصية. ما يجعلنا أقرب الى الآلة، كأن لا حياة خارج الشاشة. هذا كله ينتهي فور ارتداء الطوق. يرفع الأشخاص رؤوسهم، تتسع حدقات الأعين، ينعكس ضوء الشمس على الوجوه، وينظرون الى عيون من حولهم كأنهم ولدوا من جديد.
الإعلان الذي أطلقته كوكاكولا قبل أيامٍ قليلة، لاقى رواجاً على مواقع الإعلام الجديد. وقد حصد ما يفوق الثلاثة مليون مشاهدة. أغلب التعليقات جاءت مؤيدة للفكرة التي يطرحها الإعلان، إلا أنّ بعضها رأى في “الطوق” إهانة للإنسان، إذ إنّ الطوق يشبه ذلك الذي يوضع للكلاب للحؤول دون أن يقوموا بأذية أنفسهم. غير أنّ فكرة الطوق المصمم ليشكّل حاجزاً بين الانسان وهاتفه ليست وليدة مصممي الاعلان. يبدو أن كوكاكولا استوحت الفكرة من عملٍ للرسام ليام والش، نشرته صحيفة “نيويوركر” قبل سنة. نرى في الرسم رجلاً وامرأة في حانة، فيما يلف الطوق رقبة الرجل الذي يقول: “إنه يردعني من النظر الى هاتفي الذكي كل ثانيتين”.
يأتي إعلان كوكاكولا بعد عرض فيلم “هي” للمخرج الأميركي سبايك جوزنز. الفيلم يقوم أيضاً على فكرة العزلة الاجتماعية التي يتسبب بها الادمان على الفضاء الالكتروني ببرامجه وتطبيقاته اللامحدودة. غير أنّ الفيلم يذهب أبعد من ذلك ليجعل البطل (جواكين فينيكس) يقع في حبّ نظام تشغيل حاسوبه الشخصي (صوت سكارلت جوهانسون). الفيلم يُظهر أن الخط الفاصل بين الحقيقي والافتراضي لم يعد موجوداً بعد غرق الفرد في التكنولوجيا وأجهزتها.
الهوس الافتراضي الذي يجتاح الكرة الأرضية بات يؤرق كثيرين حول العالم. غير أنّه لا يزال باستطاعتنا العثور على مقاومين لهذا الاجتياح، إن جاز التعبير. في هذا الإطار، انتشر على مواقع التواصل فيديو لقصة مصوّرة بعنوان “19 سببا لعدم امتلاكي هاتف ذكي” من تنفيذ الفنان التركي الأميركي ليفني يلماز. من بين الأسباب التي يعددها المقطع مثلاً: “عندما أتناول طعاماً يُفترض بي أن اتناوله، بدلاً من أن أصوره وأشارك الصورة كي أثبت أنني تناولته!”، ويضيف: “لم امتلك هاتفاً ذكياً للسبب ذاته الذي لم يجعلني أتعاطى الهيروين قط”.
النقاش حول الحدود بين الحقيقي والافتراضي لا يزال في بداياته. هناك نظريات ترفض الفصل بين العالمين. غير أنّ ما لا شكّ فيه أن الأعمال المذكورة آنفاً حاولت مقاربة موضوع الهوس بالتكنولوجيا من زوايا جديدة. ربما كلها أرادت أن تستلهم ما يقوله ميلان كونديرا في عنوان روايته الشهيرة: “الحياة هي في مكانٍ آخر”.