افتتاحية المسيرة: ذريعة مكافحة الإرهاب

يكثر الكلام عن الحرب على الإرهاب في سوريا وعن مكافحة الإرهاب في لبنان، بعدما أصبح شعار الممانعة غير مربح على المستويين السياسي والإعلامي. فمحور ما كان يسمى بالممانعة أسقط كل مقومات ومتطلبات الصمود في وجه المشروع الصهيوني، وما عاد شعاره ينفع لذرِّ الرماد في العيون. فإيران وسوريا أذعنتا لمطلب تدمير السلاح الاستراتيجي السوري الوحيد الذي يشكل خطراً على أمن إسرائيل والمتمثل بالسلاح الكيميائي، وإيران قبلت بتجميد مشروعها النووي المهدّد لأمن الدولة العبرية، وسوريا هادنتها وحمت حدودها منذ حرب ال 73، و”حزب الله” لم يقم بأي عملية عسكرية ضدها منذ حرب ال 2006 وهو في الآونة الأخيرة ما عاد يردُّ على اعتداءات جيشها عندما تطاول مواقعه وآلياته.

نعم سقط قناع الممانعة، ولابسوه هم الذين أسقطوه تحت ضغط الظروف. ووجدوا له بديلاً يتلاءم مع متطلبات الحرب الدائرة في سوريا. أما البديل فهو شعار الحرب على الإرهاب. شعار أطلقته سوريا لإقناع دول الغرب بأن نظام الأسد يقاتل الإرهاب والإرهابيين دفاعاً عن العالم الحر. ثم تبنته روسيا وإيران في دفاعهما عن النظام السوري، وأُوعِز الى “حزب الله” لاعتماده في أدبياته السياسية تماشياً مع متطلبات قتاله في سوريا.

أما استبدال شعار الممانعة في سوريا بادعاء الحرب على الإرهاب للتغطية على اعمال القتل وعلى محاولة البقاء في السلطة، فماشاه في لبنان رفع شعار مكافحة الإرهاب من قبل “حزب الله”  بهدف التعمية على الأسباب الحقيقية التي استجرَّت التفجيرات الانتحارية الى لبنان، بدلاً من شعار ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” الذي أوجده الحزب لتبرير سلاحه غير الشرعي.

والتغيير في الشعارات فرضته ضرورات المرحلة السياسية، فشعار الممانعة كان يصلح لمرحلة  المواجهة مع إسرائيل والقتال على أرض لبنان انطلاقاً من الجنوب، أما شعار مكافحة الإرهاب فغطاء لارتدادات القتال في سوريا ذوداً عن نظام الأسد، مع تحميل مسؤولية وقف مسلسل التفجيرات الإنتحارية في لبنان للقوى الأمنية الشرعية.

أما الحقيقة الجارحة، بعيداً من الشعارات، فهي أن “حزب الله” لا يريد الاعتراف باستجراره العنف المتنقل الى قلب مناطقه وأحيائه، ويريد إقناع الناس بأن الإرهاب التكفيري يضرب لبنان من دون تمييز، تعزيزاً لمبررات انغماسه في الحرب الدائرة في سوريا، وتأكيداً لمزاعمه بأن قتاله فيها استباقيّ وهدفه منع هذا النموذج العنفي من الوصول الى لبنان.

فهل يصعب على اللبنانيين، بعد هذا كله، أن يفهموا لماذا وافق “حزب الله” على تسليم الحقائب الأمنية والقضائية في الحكومة الجديدة لغير جماعة 8 آذار، ولماذا يوحي بقبول التراجع عن بعض شعاراته دفاعاً عن الوحدة الوطنية، ولماذا يصرُّ على تضمين البيان الوزاري بند مكافحة الإرهاب؟

فالإبقاء على نظام الأسد في سوريا تحقيقاً لديمومة المشروع الإيراني في المنطقة، أهم من تراجع “حزب الله” عن بعض الشعارات. والحفاظ على أمن مناطق “حزب الله”  وجمهوره من دون الاضطرار الى التراجع عن القتال أو التخفيف من العمليات العسكرية في سوريا، يتطلب من “حزب الله” الرمي بمسؤولية الحقائب الوزارية الأمنية على عاتق فريقيّ رئيس الجمهورية و14  آذار. وتمرير بند مكافحة الإرهاب في البيان الوزاري يستعمله “حزب الله” ذريعة لقتاله في سوريا، وسبباً لإجبار الشرعية اللبنانية على حماية ظهره أمنياً وسياسياً.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل