الطفل محمد.. شهيد إجرام النظام

كتب علي الحسيني في جريدة “المستقبل”:

تنظر الى الوجوه تُحدق في عيون النسوة والرجال تسأل اذا كان الجميع أقرباء لها، جمع تحلّق من حولها ينظر اليها باستغراب طبعت ملامحه وجوه الحاضرين، لا همّ إن تساقطت الدموع أو بدت الدهشة فالمهمّ أن تُخرج من داخلها ألماً سكنها لفترة تزيد على عام ونيّف تُضاف الى فترة عشرين عاماً، يوم قررت اللحاق بزوجها الى مخيم اليرموك في سوريا بعد أن ترك عمله وباع منزله في مخيّم عين الحلوة ليكون الى جانب أهله هناك.

 في منزل والديها حيث تربت تجلس آمنة الى جانب والدتها المقعدة تخبر من حولها عن واقع عاشته مع مجموعة من جيرانها في حي يلدا داخل مخيم اليرموك، لا تعرف من اين تبدأ بسرد قصتها فالحياة بالنسبة اليها باتت متشابهة والاردن الذي غادرته منذ ثلاثة أيام بعدما وصلته من سوريا أثناء فك الحصار عن المخيم، تركت فيه قطعة من ثياب طفلها محمد مضرجة بدمائه بعدما أصيب برصاص قنّاص تقول إنه “ينتمي الى فصيل فلسطيني حليف للنظام السوري”.

 لم يكن الحال داخل مخيّم اليرموك أفضل من تلك التي عاشتها في مخيم عين الحلوة لكنها بالطبع كانت أفضل من فترة الحصار الخانقة والقاتلة التي عاشتها مثل الكثيرين من أبناء المخيّم على يد النظام السوري وحلفائه من فلسطينيين ولبنانيين، “وصلنا الى مرحلة لم نعد نتذكر فيها شكل الخبز، فالطعام بالنسبة إلينا أصبح عبارة عن أوراق الشجر، قبل أن يتطور الى حد أصبحت فيه القطط والكلاب وجبتنا الاسبوعية الى أن انقرضت بالكامل من جميع أحياء المخيم”.

 للذاكرة بالنسبة الى آمنة الف محطة ومحطة، وفي كل واحدة منها وجع من الصعب اجتيازه او المرور عليه مرور الكرام، كيف ورائحة طفلها ابن السنتين ما زالت تسكن حضنها ويديها وحتّى ثوبها الذي تبلل بدمائه هو الآخر في مكان آمن لم ترد ذكره، وأولى محطاتها مع زوجها رائد الذي قُتل بقذيفة أثناء خروجه للبحث عن طعام في محيط الحجر الأسود، فهناك توجد حقول تنمو فيها حشائش غير زراعية،”يومها كان طفلي محمد يبكي من الجوع ورأيت أيضاً ملامح الموت على وجه شقيقه الأكبر يامن، عندها قرر والدهما المغامرة والخروج للبحث عن طعام يسد رمقهما لكنه عاد محملاً وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بعدما أصيب بشظايا في رأسه جرّاء سقوط قذيفة بالقرب منه”.

 في “اليرموك” قصص كثيرة ومتنوعة عن أطفال قضوا جرّاء الجوع وسوء التغذية، لكنّ هناك طفلاً اسمه محمد قضى برصاصة تقول والدته إن من أطلقها عليه قنّاص فلسطيني يتبع لـ”القيادة العامة” بقيادة أحمد جبريل وهو الفصيل الذي، وبحسب سكان المخيم، ما زال يؤازر النظام في حصار مخيم اليرموك، وأن مسؤوليته في تشريد وقتل وتجويع سكان هذا المخيم لا تقل عن مسؤولية النظام السوري وما يرتكبه على هذه البقعة. بعد خمسة أشهر تقريباً على استشهاد زوجها كان الموت على موعد مع طفلها الصغير الذي كان يُعاني سوءاً في التغذية، “فلا الطعام كان صحياً ولا المياه كانت تصلح حتى لتشرب منها الدواب”.

 كان الليل على وشك أن يُرخي ظلاله على مخيم اليرموك الذي يقع جنوب محافظة دمشق، يومها كان السكان يتحدثون عن ليلة حامية وعن نيّة للنظام وحلفائه في اقتحام أطراف المخيّم وبعض أحيائه تقول آمنة وتضيف: “ذاك المساء قررت الهرب بولديّ الى حي يلدا حيث تسكن شقيقة زوجي مع عائلتها، خصوصاً أن منزلهم كان مُحصّناً نوعاً ما، لكن يد القنّاص كانت أسرع من خطواتي فأصيب محمد في رأسه وقُتل على الفور”. في تلك اللحظة صممت آمنة على النجاة بطفلها البكر فعادت أدراجها وباتت ليلتها الى جانب طفل لم يبلغ عامه الثالث شهد على حقيقة قاتل لم تنل رصاصات غدره سوى من أطفال يُشبهون محمد.

 من لبنان الى “اليرموك” ومن “اليرموك” الى الاردن فلبنان، تحاول آمنة التعويض لبكرها يامن عن زمن الظلم والقهر والجوع الذي عاشه وشقيقه الشهيد، زمن يمكن تخطيه مع مرور الوقت لكن بالتأكيد يصعب نسيانه، ولدى سؤالها عن فرضية عودتها الى “اليرموك” مجدداً تهزّ رأسها وتقول: “تركت في مقبرة المخيّم قلبي وعقلي”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل