ما توقعه اللبنانيون الذين أذعنوا راضين بأفضل الحلول السيئة أن تتشكل حكومة أية حكومة خير من المراوحة في الازدواجية والاهتراء والفساد وسقوط المؤسسات، وبالأخص أولئك الخبراء في شؤون السياسة اللبنانية، من أن عقدة الثالوث العتيد «شعب وجيش ومقاومة» التي سترد في مقدمة البيان الوزاري كما لوّح بها حزب الله أمكن تجاوزها وتخطيها. ذلك أن المنطق العملاني السليم والواقعي يشير ان «الحزب» لا يخسر شيئاً من موافقته على اغفال ذكر هذه الفقرة ما دام يحتفظ بترسانة سلاحه الذي بمقدوره اشهاره واستعماله ساعة يشاء وبالاتجاه الذي يريد. إن حل مشكلة سلاح هذا الحزب ليس مطروحاً للنقاش الآن.
ومن السذاجة بمكان بل هو هروب موصوف من الواقع محاولة تجاهل هذه المشكلة. فالبوصلة التي كانت تقود هذا السلاح، وبصرف النظر عن أحجية مزارع شبعا ومدى تشابك الأصابع الاسرائيلية والأسدية فيها كذريعة للتواطؤ والتدخل في شؤون لبنان وتقاسم النفوذ فيه، راحت تستدير نحو الداخل بعد حرب 2006، فما جرى في أيار عام 2008 كان مفجعاً على الساحة الداخلية إذ لم يؤد الى فقدان هذا السلاح صدقيته وجدواه فحسب بل أدى الى تعميق الخلاف بين اللبنانيين وتكريسه أيضاً.
إلا أن انتفاضة الشعب السوري ابتداء من أوائل عام 2011، وتطور الحراك الشعبي السوري السلمي ليتحول أمام جبروت القمع الدموي الوحشي للنظام الأسدي الى ثورة مسلحة والتي كانت في حقيقتها الحلقة الأخيرة من ايذان مرحلة الأنظمة الديكتاتورية العسكرية العربية بالغروب والزوال قد أدت الى وقوع هذا السلاح في مأزق جديد. كان ذلك عندما راح «حزب الله» يتورط أكثر فأكثر في وحول الحرب السورية المستعرة. فمن القصير الى حلب مروراً بحمص وريف دمشق ووصولاً الى يبرود والقلمون راح التورط يبلغ ذروته. فما جرى عندنا كان مخزياً عندما راحت حكومة الصناعة السورية تتمادى بتجاهلها الفاضح لإعلان بعبدا لما حاولنا المزاوجة بين الدفاع عن ذرائع النظام الأسدي داخل الجامعة العربية وأوساط المجتمع الدولي من جهة والمزيد من التورط العسكري والسياسي في الحرب السورية، في ظل أزمة اقتصادية معيشية وتسيب أمني وانتشار فساد عام لم يشهد له لبنان مثيلاً عبر تاريخه الحديث.
لا بل ما جرى كان ومازال أسوأ من ذلك بكثير، عندما راح تورط حزب الله في الحرب السورية جنباً الى جنب مع عساكر ومقاتلي الفصائل والفرق الأخرى المدفقين على سوريا من ايران والعراق واليمن بدوافع مذهبية مفضوحة. ولم يؤد هذا التورط الى ردات فعل مذهبية مقابلة ابتداء بعكار ومروراً بطرابلس وبيروت وانتهاء بصيدا فحسب بل الى استدراج الارهاب السلفي وانتحارييه الى أرض لبنان بالذات فأصبحت العمليات الارهابية الانتحارية قوت اللبنانيين اليومي والخوف والذعر شغلهم الشاغل، وذلك على حساب أصوات الاعتدال الوطني والحكمة والعقل والدعوة للالتفاف حول الدولة واستنهاضها. لقد أصبح التطرف والحقد والكيدية هو السائد عندنا الآن.
ان حزب الله لهو الآن في مأزق تاريخي ليس من السهولة بمكان الخروج منه. فكأنه يجلس على كرسيّين اثنين في آن معاً، فما بمقدور النظام الايراني القيام به الآن الا وهو محاولته المزاوجة والتوفيق بين متطلبات اتفاقه النووي مع الغرب ومحاولته اشاعة جو من التهدئة والتفاهم مع الدول العربية من جهة واستمرار دعمه للنظام الأسدي ما أوتي وهو الذي أقفل باب الحل السياسي في جنيف2.
من جهة أخرى، فإن حزب الله اللبناني ليس بمقدوره محاكاة سياسة طهران المزدوجة هذه، لأن حزب الله حزب لبناني أولاً وآخراً حتى ولو اضطر للانصياع لأوامر ونواهي تعليمات طهران. فالخسائر والتبعات والتداعيات التي يدفع ثمنها من دماء مقاتليه في سوريا لها آثارها الاجتماعية والعائلية العميقة والبليغة في أوساطه وفي المناطق التي في قبضته المباشرة. ففقدان رجل ما حياته في لبنان المحدود العدد بسكانه له دويّ وتداعيات ذات بال وأهمية في مدينته أو بلدته أو القرية التي يرفد منها، فأي شعور عام هو السائد عندما يحمل به من سوريا جثة هامدة. ثمة أصوات ولو خافتة بدأت تتعالى من قبيل: «هذه الحرب ليست حربنا، حسناً يتوجب علينا مقاومة اسرائيل لكن المطلوب منا القتال في سهول سوريا ومدنها وقراها فهذا كثير!..».
بل هناك من يقولون بحق: «ماذا لو عادت محادثات جنيف المعلقة للانعقاد وتم الوصول الى حل سياسي يرعاه الجباران في نهاية الأمر؟ فما جرى في أوكرانيا من الممكن أن يتكرر في سوريا…».
ان الجلوس على كرسيين في آن معاً موقف صعب. فهل بالامكان في الوقت نفسه التقيد بمضمون اعلان بعبدا والامتثال لسياسة تحييد لبنان والنأي بالنفس فعلياً وفي الوقت نفسه الاستمرار في الغرق في الوحول السورية. كما ان الحرب السورية ما زالت مستمرة. ثم ان حلفاء حزب الله اللبنانيين أنفسهم قد ضاقوا ذرعاً بهذا التناقض الحدّي الذي يتخبط فيه، وهؤلاء جميعاً ممثلون في الحكومة الجديدة.
ثمة إشارات معبّرة على حزب الله أن يلتقطها ويفسر دلالاتها: ابتداء من تصريحات الوزير علي حسن خليل المتفائلة جداً حول الالتزام بمضمون اعلان بعبدا، واكتفاء الجنرال عون بأن يلوذ بالصمت وانتهاء بتصريح البطريرك الراعي العائد من روما حول الأهمية القصوى لإيراد التقيد بمضون هذا البيان في صلب مقدمة البيان الوزاري لنيل الثقة في المجلس النيابي. كما ان الزيارة اللافتة لسفير ايران للرئيس الجميّل لها دلالاتها، إذ ما لبث «الجميّل» أن راح يصرّح لوسائل الاعلام على اثرها عن تمسكه بالثوابت الوطنية.
كل ذلك يدفع «حزب الله» لإعادة حساباته وتقويم موقفه المتناقض الصعب، والاذعان لإرادة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. فحتى لو سقطت «يبرود» فإن الحرب السورية على ما هو بادٍ، مستمرة خاصة مع بدء وصول الأسلحة النوعية الباكستانية الى الثوار في جنوبي سوريا (درعا) مما يثير حفيظة وزير الخارجية الروسي لافروف. إن سياسة حزب الله في لبنان وخارجه تستدعي موقفاً نقدياً شجاعاً، بل تستدعي سحب مقاتليه من سوريا، والعودة للحق خير من التمادي في الباطل.