
تبرز هذه الاوساط الديبلوماسية هذه المفارقة لتخلص الى ما يعني لبنان منها وهو ان الصراع السوري لا يزال في عز مراحل محفوفة بكل المفاجآت الاقليمية والدولية ناهيك عن تقلبات الوضع الميداني الذي يبدو عرضة اكثر فاكثر لمد وجزر يستحيل التكهن بمآله، خصوصا بعد التطورات الاخيرة التي ترافق معركة يبرود والاستعدادات الجارية لمعركة الزحف المعارض نحو دمشق من الجبهة السورية الجنوبية التي تكثر التكهنات في شأنها ويجري تصويرها على انها ستكون معركة كسر التوازن الذي استعاد النظام بعضا كثيرا من احكام سيطرته عليه في المرحلة الاخيرة ولو انه لا يتمكن من الاحتفاظ بهذه المبادرة في كثير من المناطق التي يسيطر عليها. تبعا لذلك تقول الاوساط ان لبنان بدأ يجتاز منذ تشكيل الحكومة الجديدة والشروع في وضع مشروع البيان الوزاري للحكومة وضعا فريدا يتعين تحصينه بقوة اذا ما اريد للتجربة ان تمضي بحدود دنيا من حماية لبنان مما ترشحه التطورات للتعرض له في المرحلة المقبلة. وهو وضع يبدو اقرب ما يكون الى مهادنة ظرفية املتها عوامل داخلية وخارجية مؤاتية تشابكت فيها مصالح عند نقطة حساسة تتلخص في منع لبنان من الانزلاق الى متاهة كانت تنذر بانهياره امنيا واقتصاديا واجتماعيا خصوصا تحت وطأة اخطار ثلاثة: خطر النزاع المذهبي الذي تعاظم بفعل التورط في الحرب السورية من جانب “حزب الله” من جهة ومجموعات سنية ولو محدودة من جهة اخرى. وخطر اتساع التفجيرات الارهابية التي تنفذها تنظيمات اصولية متشددة. وخطر تصاعد الاثقال التي ترتبها ازمة اللاجئين والنازحين السوريين والفلسطينيين على كل المستويات الديموغرافية والامنية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان.
وتضيف هذه الاوساط ان تجربة تشكيل الحكومة في توقيتها ومن ثم مسارعة المجموعة الدولية التي تجسدها مجموعة الدعم الدولية للبنان التي انشئت في 25 ايلول من العام الماضي في نيويورك الى ضرب الحديد حاميا من خلال انجاز الاستعدادات لمؤتمر باريس ومن بعده مؤتمر روما شكلا العنوان الدولي الواضح للمظلة التي يراد لها ان تحمي لبنان في السنة الحالية باعتبار انها سنة الحسم الكبير للتوجهات الاقليمية قاطبة، سواء ما يتعلق منها بالازمة السورية او بمفاوضات الملف النووي الايراني او ملف التسوية الفلسطينية – الاسرائيلية.
وفي اعتقاد الاوساط نفسها ان القوى الداخلية اللبنانية لا تكتنفها اوهام حقيقية حيال فعالية هذا الدعم وتجاوزه اطار مساعدة لبنان على الحد الادنى من الصمود الامني والاقتصادي تجنبا لاهتزاز الاستقرار فيه في شكل دراماتيكي مما يعني ان الجميع يدركون ان هامش الدعم الدولي محدود ومحصور بالمساعدات التي يمكن جمعها بشق النفس والتي لا تصور واضحا بعد حيال حجمها وبدعم مبدئي سياسي ومعنوي للمؤسسات الدستورية والقوى السياسية لحملها على الاستجابة لمتطلبات الاستحقاقات اللبنانية.
واذا كان تشكيل الحكومة شكل الخطوة الاساسية الايجابية في اتباع هذا النهج ولو مشوبا بشكوك كبيرة متأتية من ارتباط فئات لبنانية ارتباطا وثيقا بميدانيات الحرب السورية فان فترة الثلاثة اشهر “المبدئية” من عمر الحكومة الجديدة ستشكل الاختبار الحاسم لمجموعة استحقاقات وليس لاستحقاق واحد:
اولا: استحقاق عزل الوضع اللبناني عن التداعيات السورية في تجربة تعايش رافضي التورط في الحرب السورية مع المتورطين فيها من دون اي ضمان عملي للتوصل الى اقتناع جامع بين الفريقين.
ثانيا: استحقاق الحد من التفجيرات الارهابية كاختبار لمدى تأثير الشراكة الحكومية بين الاضداد والمتخاصمين الداخليين على قدرة الاجهزة الامنية والعسكرية في رفع مستوى المواجهة مع التنظيمات الارهابية وتحصين جبهة مكافحة الارهاب.
ثالثا: اقران الاقوال بالافعال والنيات بالممارسات في شأن الاستحقاق الرئاسي الذي تطلق في شأنه التأكيدات المتعاظمة حول ضرورة اجرائه وتجنب الفراغ الرئاسي.
