هل هي رائحة مواجهة اقليمية واسعة فعلا تلك الغارة الاشد غموضا التي شنتها اسرائيل على موقع لـ”حزب الله” في جنتا؟
شيء ما من شبح مطالع ثمانينات القرن الماضي يتسلل مع هذه الغارة ولو بفوارق الظروف والزلازل الهادرة حول لبنان يجيز المقارنة بين ما عرف قبل اكثر من ثلاثة عقود بأزمة الصواريخ وبوادر هذا الشيء الطالع الآن. يروي جون بويكن كاتب سيرة فيليب حبيب المبعوث الاميركي اللبناني الاصل “ملعون هو صانع السلام” ان وزير الخارجية الاميركي في عهد رونالد ريغان الكسندر هيغ عهد الى حبيب الذهاب الى الشرق الاوسط في نيسان ١٩٨١ لان “ثمة حربا تختمر هناك” على اثر تهيؤ اسرائيل لضرب صواريخ سورية في تلال لبنان. نجح فيليب حبيب آنذاك في تعطيل ازمة الصواريخ ولكنه لم يقو على منع اجتياح بيروت بعد سنة.
ليس من الضروري ان تكون جنتا حلت مكان مرتفعات زحلة اليوم، بمعنى ان احدا لا يمكنه الجزم مسبقا بان كلا من اسرائيل و”حزب الله” يهرولان الى المواجهة. لكن احدا لا يمكنه ايضا اغفال وقائع مثيرة للخشية الشديدة من تورط اسرائيل في المرجل اللبناني – السوري الآخذ في الاحتدام المخيف على مشارف استحقاقين رئاسيين متلاصقين في كل من لبنان وسوريا. اكبر الدلائل على هذه الخشية مفارقة تتمثل في ان ست ضربات جوية اسرائيلية للداخل السوري منذ اندلاع الازمة السورية لم تحرك ساكنا في حين اثارت غارة على جنتا يقول “حزب الله” انها كادت لتكون فشلا عسكريا لانها لم تترك اي خسائر حركت وعيدا بالرد واستنفارا اسرائيليا على الحدود مع لبنان.
في اقل الافتراضات الموضوعية يثير هذا التطور مخاوف حقيقية من ان تحمل المرحلة الطالعة طبقة جديدة من طبقات الاخطار الاقليمية الطارئة التي تتهدد لبنان واستحقاقاته الداهمة بما يعيد الى الواجهة اقدارا تاريخية غالبا ما عرف لبنان فيها ازمات كبيرة على مشارف نهايات العهود الرئاسية. ولكن التجربة الطالعة تختلف اختلافا جذريا عن كل سوابقها لان لبنان كان وحده في السابق الساحة المفتوحة للصراعات الخارجية فيما الحال الآن اشد خطورة نظرا الى اتساع ساحات الصراعات الدولية والاقليمية في دومينو جهنمي.
لا يملك اللبنانيون امام هذا سوى التأسي على احوالهم، اذ يعودون الى ليالي السمر المملة في انتظار وليد مشوه جديد اسمه البيان الوزاري تتقارع على معركته القوى السياسية بمشهد هزلي. اعلان بعبدا لم ير النور اصلا فاذا به الآن ألعوبة اللهو الجديدة لأهل بيزنطيا اللبنانية، فيما تتسلل على الحدود اشباح المواجهات. ماذا تراهم سيفعلون غدا اذا لم يعثروا على فيليب حبيب آخر ينقذ الرئاسة والجمهورية من حرب وفراغ؟