ولكن بمعزل عن هذا التسويق والاستثمار للضربة التي يجب مقاربتها موضوعياً وفق أجندة كلّ من إسرائيل و»حزب الله.
أوّلاً، على مستوى الأجندة الإسرائيلية: أولوية تل أبيب في هذه المرحلة تتلخّص بنقطتين أساسيتين: إطالة أمد استنزاف «حزب الله» في الحرب السورية أكبر فترة ممكنة، ما يعني أن لا مصلحة لها في فتح حرب معه، ولا بل مصلحتُها تكمن في إعطائه إشارات تطمينية بأنّها لن تتحرّك باتجاهه بغية دفعه إلى مزيد من الانزلاق في الحرب السورية.
والنقطة الثانية منع الحزب من تهريب أو تمرير أيّ سلاح يمكن أن يخلّ بالتوازن في الصراع معها، من قبيل نقله أسلحة نوعية أو أسلحة كيماوية، وبالتالي تندرج هذه الغارة في إطار التمسك بسياسة الخطوط الحمر وقواعد اللعبة التي حاول الحزب تجاوزها.
ثانياً، على مستوى أجندة «حزب الله»: تأخير الحزب في إصدار البيان مرَدُّه للنقاش الذي استغرق كلّ هذا الوقت بين وجهة نظر أمنية تفضّل إبقاء المعلومات حول الغارة مبهمة وملتبسة ولا تخرج عن السياق التحليلي، خصوصاً أنّ إسرائيل تعتمد سياسة التعمية في هذا النوع من العمليات، وبين وجهة نظر سياسية تؤيّد تسليط الضوء على الغارة لسببين أقلّه:
السبب الأوّل إسلاميّ-عربي، حيث إنّ «حزب الله» بأمَسّ الحاجة، في لحظة انكشاف «مقاومته» وظهورها على حقيقتها بأنّها عنوان مذهبيّ لا وطنيّ ولا قوميّ، وفي لحظة مواجهته مع الشارع السنّي السوري ومِن خلفِه العالم العربي، وفي لحظة تعرّضه لهجمات انتحارية في قلب بيئته على خلفية قتاله السوري، وبالتالي هو بأمَسّ الحاجة للقفز فوق هذه العناوين التي أدّت إلى عزله عربياً وإسلامياً بغية العودة إلى عنوان المواجهة مع إسرائيل، في محاولة لإعادة تلميع صورته وإحياء دوره.
فالحزب كان بحاجة لهذه الضربة التي ربّما استدرجها أيضاً من أجل تحوير الأنظار عن أزمته السورية وإعادة الاعتبار للخطر الإسرائيلي.
السبب الثاني محلّي – داخلي، حيث إنّ «حزب الله» يريد، مع الانطلاقة الحكومية، التأكيد على دوره المزدوج في مواجهة إسرائيل والتكفيريّين، وبالتالي حاجته لبيان وزاريّ يحدّد قواعد المعركة بإقرار الحقّ بالمقاومة بمعزل عن الصيغة، والتركيز على عنوان الإرهاب الذي يضرب لبنان. فالحزب يريد عمليّاً وضع 14 آذار الحكوميّة أمام الأمر الواقع بانتزاعه الحقّ في مواجهة إسرائيل والردّ عليها، كما انتزاعه الحقّ في مواجهة الإرهاب والردّ عليه، والمواجهة الأخيرة التي حدّد ساحتها في سوريا سيأتي البيان الوزاري ليشرّعها، ما يجعل الحزب طليق اليدين في المواجهة مع الإسرائيليّين والتكفيريين.
وفي العودة إلى ما بعد حرب تمّوز 2006 يَظهر المزاج الشيعي بأنّه ضدّ مغامرة جديدة مع إسرائيل، وأنّه على رغم تأييده المطلق للحزب، إلّا أنّه لا يريد تكرار تلك التجربة، وبالتالي إذا كانت هذه البيئة ضدّ حرب جديدة بين «حزب الله» وإسرائيل قبل تورّطه في الحرب السورية وانتقال هذه الحرب إلى قلب مناطقه، فكيف سيكون حالها اليوم وبعد كلّ ما ينتابها من قلق على المصير وخوفٍ على المستقبل، وفي ظلّ حصار مطبق ومواجهة مفتوحة مع الجميع؟ وهل الحزب الذي فضّل تأجيل الانتخابات النيابية واصطدم بحليفه العوني بغية التفرّغ للحرب السورية قادرٌ على فتح مواجهة مع إسرائيل؟
من هذا المنطلق، فالتهديد بالردّ لا يخرج عن السياق التهويلي أوّلاً، وفي محاولة يائسة لإعادة تلميع صورته عربياً وإسلامياً أوّلاً وأخيراً. ولكن ما يدركه الحزب أو لا يدركه أنّ مقاومته التي سقطت من وجدان العرب والمسلمين والقِسم الأكبر من اللبنانيين لم يعُد بيانٌ وزاريّ ولا وثيقة تفاهم قادرَين على تغطيتها، وأمّا الحكومة فمسؤوليتها تكمن في منع «حزب الله» من توريط لبنان في حرب مع إسرائيل، وإنهاء توريطِه للّبنانيّين في الحرب مع السوريين.
