ميشال عون وسيط بين سعد الحريري وحسن نصرالله! مَنْ يصدّق ؟
في السياسة والقانون، للوسيط صفتان: النزاهة، بمعنى الترفّع عن المصلحة الخاصّة، والوسطيّة أو الاستقلاليّة.
ليس هناك مراقب أو متابع أو متعاطٍ سياسي، تخدعه نزاهة هذا الوسيط عن غايته الخاصّة في تسويق نفسه للرئاسة وطرح اسمه بين الأضداد.
ولا يخدعه أيضاً ارتباطه العميق والضيّق بالطرف الثاني، نصرالله، منذ 8 سنوات على الأقلّ، بحيث لا يستطيع الفكاك منه، لا في الواقع، ولا حتّى في المناورة ووهم التمايز.
لا أحدَ ينسى أطروحة عون المكرّرة عن “الوسطيّة”، وهجاءه الدائم لها، وهجومه الثابت عليها، مع كلّ استحقاق إنتخابي أو تعيينات إداريّة أو موقف سياسي. فالوسطيّة عنده شرٌّ مطلق وعيب وحقارة.
غالباً ما كان يهاجم رئيس الجمهوريّة ويعاديه بتهمة الوسطيّة، وكذلك وليد جنبلاط وميشال المرّ.. وحتّى من كانوا في فنائه السياسي مثل نعمت افرام، وسواه ممّن تحرّروا من مركزيّته وعبادته لذاته. وقد أنّب مراراً من لا يهاجمها من أتباعه، وحذّرهم من ضررها وأذاها. وها هو يصير من أتباعها!
فكيف هبط عليه وحي غريمته “الوسطيّة” وألهمه تبنّيها واعتناقها في سلوكه السياسي الموضعي جدّاً والشخصي جدّاً جدّاً ؟
من أمثالنا الشعبيّة الحكيمة ” الرجال عند حاجاتهم نساء”، وعذراً من سلاسة النساء ورهافتهنّ، وقد طبّقه الوسيط الطارىء بأمانة: أوعز إلى فريق من نوّابه بفتح حوارات فولكلوريّة مع الكتل الأُخرى، أَنزل خطابه السياسي العنيف عن منابره وغاب عنها، أرسل ظلّه إلى السفارة السعوديّة وبيت الوسط، ثمّ تدروش تحت ستار روما، وهرول إلى باريس خاطباً ودّ مَنْ لم يترك وصفاً شنيعاً إلاّ وصفعه به.
وفي طرفة عين، تحوّل عنده سعد الحريري من خائن وعميل إلى “شاب وطني”، ومن ” حاضن للتكفيريّين” إلى محاربهم، ومن فاسد سارق فاسق “يستحيل إبراؤه” إلى عاشق، نموذج للبراءة، منزله جميل أينما حلّ ومائدته شهيّة ومغذّية، ويمون بسحب وزارة الطاقة من يد الوريث لقاء وعد افتراضي متخيَّل بالرئاسة.
ولكنْ، إلى أين يستطيع وسيط ممسوك أن يصل؟
إلى لامكان، في الحساب السياسي. فهو من جهة يحمل توقيعه على ورقة “تفاهم” تنصّ حرفيّاً (في بندها العاشر) على أنّ سلاح حزب الله ” وسيلة مقدّسة”، ويذهب من جهة أُخرى إلى فريق (تيّار المستقبل) الذي يعتبر هذا السلاح “وسيلة مدنّسة” بدماء 7 أيّار وسواد القمصان والانقلابات ودماء السوريّين.
ومن الصفاقة أن يعلن رغبته في ضمّ تيّار المستقبل إلى “التفاهم” الثنائي كي يُصبح ثلاثيّاً. فأيّ نصّ سيوقّع عليه الثلاثة: “سلاح مقدّس أو مدنّس”؟!
أمّا ذروة الصفاقة ففي تناقضاتٍ ثلاثة شديدة النفور: الوسيط المتذاكي يدعم “حزب الله” في “الثلاثيّة”، وإسقاط إعلان بعبدا(واستطراداً مذكّرة بكركي)، ورفض المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان.
في الثلاثيّة وإعلان بعبدا يلتزم مندوب الوسيط ما يقرّره “حزب الله” في لجنة البيان الوزاري، ويحوّل التأييد اللفظي لوثيقة بكركي بتشديدها على الحياد ومركزية السلاح الشرعي، إلى نقيضها في صياغة البيان.
وفي المحكمة الدوليّة رفض الوسيط توقيع عريضة نيابيّة(وقّعها 69 نائباً) تطالب الأمم المتّحدة بضمّ كلّ جرائم الاغتيال إلى ملفّ المحاكمات في لاهاي.
إذاً، يلتزم “الوسيط النزيه الوسطي” كلّ ما تقرّر مرجعيته في السياسة والحياد والأمن والمحكمة والحكومة وإسرائيل والحرب السوريّة، ثمّ يتنطّح للتقريب وتطبيع العلاقات بين نقيضيْن.
وفي ظنّه أن إخفاء الرأس في الرمال يحجب انكشافه أمام الصيّاد. فبئس الغباء السياسي، وبئس ذاك البريق المنبعث من تلك الكرسي، والذي يُبهر البصر.
اللغة الهادئة والكفّ الناعمة اللتان يبسطهما “وسيط الكرسي” ليستا له، وهو لا يشبه نفسه بلا أنياب.
لقد أتى إلى السياسة بلغة التحقير والشتائم وبالكفّ الثقيلة الغليظة، وبهما استمرّ حتّى الأمس القريب، وإليهما سيعود، ومعهما تنتهي حياته السياسيّة.
“حَرَام” أن يفقد ميشال عون “تراثه العريق” في اللحظة الأخيرة كُرمى لطموح أجوف.
وحدَهما لغته وسياسته السابقتان العدائيّتان تليقان به. وماذا ينفع لو ربح كرسيّاً وخسر نفسه؟!