فبعد التغييرات الطارئة في المنطقة، وبعد أشهر من التعنت والجمود، تألفت الحكومة، جامعة وسياسية. وبصرف النظر عن موضوع صياغة البيان الوزاري وبالتالي الثقة أو عدمها للحكومة الجديدة، باتت المعطيات تشير اليوم الى انّ الوقائع قد تكون أسرع من الافكار، كالعادة، وأنّ المتغيرات ستفرض نفسها في معركة الرئاسة التي تفتتح رسمياً بين 25 آذار و25 أيار المقبلين.
مَن يختار اللبنانيون رئيساً للجمهورية، بعد أن اتفق الأفرقاء الإقليميون والدوليون على تحييد لبنان قدر الامكان عما يجري في سوريا، وعلى التقيد بالمواعيد الدستورية؟ وهل هناك طريقة موثوقة تحدّد كيف يُصنَع رئيس الجمهورية في لبنان، بعد أن زال الانتداب الواقعي على لبنان؟
غريبةٌ هي الاصول التي تخضع لها انتخابات رئيس الجمهورية في مجلس النواب. والغرابة ناتجة من دقة إجراءاتها ومن اشتراطها ليس فقط أكثرية إنتخابية، ولكن ايضاً نصاباً موصوفاً يجعل من الصعب توفيره وضمانه والابقاء عليه، حتى ولو توافر. ولعلّ الفلسفة من ذلك هي أن يتم انتخاب رئيس فقط عند توافر إلتئام أكثرية ثلثي المجلس، فلا يتم خطف الانتخاب خطفاً. بحيث نجد انّ تحديد مواصفات الرئيس تتوقف، الى حد كبير، على إمكانية حشد العدد من النواب لتأمين النصاب، وعلى طريقة قيادة الاجراءات الدستورية.
إبتداءً من 25 آذار 2014، يصبح في وسع رئيس مجلس النواب دعوة هذا المجلس الى «إنتخاب الرئيس الجديد»، «واذا لم يُدعَ المجلس لهذا الغرض فإنه يجتمع حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق انتهاء ولاية الرئيس» (المادة 73 من الدستور).
لا تشجّع البوادر على هذا النوع من التفاؤل، ولا التاريخ المعاصر، فالصعوبات تكتنف عملياً أيّ خيار غير توافقي كما هو معروف.
وبالطبع، في حال كهذه، لن يدعو رئيس المجلس النواب، بين 25 آذار و15 أيار، إذا لم يكن واثقاً من توافر اكثرية يتأمن معها نصاب الثلثين، أي، عملياً 86 نائباً. وهذه الاكثرية لا يمكن اي فئة من فئات المجلس أن توفرها، مهما كان موقف كتلة «الوسطيين الجدد». فهذه الأخيرة، حتى لو كان قلبها في غير موقع مصالحها، لا تؤمّن نصاباً من 86 نائباً مع اي من كتلتي 8 أو 14 آذار. بل إنه حتى لو تم اتفاق بين «المستقبل» و»التيار الوطني الحر» و»حزب الله»، فإنّ النصاب لن يتأمن بالضرورة، إلاّ إذا إضطرت كتلة الرئيس نبيه بري الى التخلي عن ثوابتها المعروفة.
وبالتالي، يبدو ترحيب تيار «المستقبل» بالتقارب الذي بادره به «التيار الوطني الحر» من قبيل قبول الانفتاح وتليين التحالف بين هذا الاخير وحزب الله، لا أكثر، حتى لو استعجل البعض في رثاء «الحلف الاستراتيجي» بين «المستقبل» و»القوات اللبنانية» والاستعاضة عن هذه الأخيرة بحزب الكتائب وحده.
اما عن السعي الى تحديد هوية الرئيس، فلا بدّ من الملاحظة أنه حتى لو لم تغب سوريا عن الساحة اللبنانية من خلال حلفائها التقليديين، يبدو تدخل سوريا المباشر وغير المباشر على قدر من التراجع، أو لنقل، الانحسار لمصلحة «حزب الله»، بعد ما قدمه هذا الاخير لها. و»حزب الله»، في رأينا، في حاجة ماسة الى رأب التصدعات التي أصابته في تحركاته اللبنانية ـ اللبنانية منذ بضع سنوات، من جهة، ومن قيامه منفرداً بالتدخل في سوريا خارج الاجماع اللبناني ومن دون قرار السلطات المركزية والدستورية الصالحة، من جهة ثانية.
ومع تراجع التأثير السوري المباشر، ثمّة أسئلة يمكن طرحها:
هل من الممكن ترجمة الترحيب الذي كاد يكون مبايعة للرئيس تمام سلام بإختيار رئيس من 14 آذار؟ وما السبيل الى ذلك؟ وهل يقتصر الوفاق على انتخاب رئيس جديد من دون استكشاف امكانات التمديد للرئيس الحالي؟ وما الذي يمكن ان يوفره رئيس جديد ولا يقدمه الرئيس الحالي؟
وهل إنّ التمديد الدستوري وغير الدستوري، الواقعي والطارئ، الذي شهده المسرح الدستوري والقانوني خلال عام 2013 وقبله، فتح الباب أمام إبقاء فريق يربح؟ أم أنّ المعارك التي شنّت للحؤول دون التمديد لمجلس النواب والتي تبعها تمديدٌ لقائد الجيش، مع غيره من القادة الامنيين، ولم نقل كلهم، كانت تؤذن بالتمديد للرئاسة الاولى؟
بعبارة اخرى، ما من كتلة نيابية، خصوصاً «التيار الوطني الحر»، تقبل بالتمديد اليوم. لكن ماذا لو تكررت الظروف التي حدت بنواب «حزب الله» بقبول التمديد للمجلس النيابي أخيراً، على رغم الموقف الصلب والمبدئي الذي وقفه التيار؟ وماذا لو انعقدت جلسة الانتخاب الرئاسي وتأمّن النصاب، ثم هددت كتل بالانسحاب منها وتطيير النصاب؟ فهل يقرر رئيس المجلس إقفال أبواب المجلس لمنع المناورات؟
لا نزال في مقتبل معركة من نوع فريد، وهي مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها الجيدة منها، والتي ترضى عنها الاكثرية الفعلية التي توافرت في مجلس الوزراء الجديد.