كما في سوريا، كذلك في لبنان، لا مشكلة سياسية أو اقتصادية اجتماعية أو أمنية، ولا حتى ثورة شعبية في سوريا تدخل بعد أيام عامها الرابع مع كل انعكاساتها السلبية الهائلة على سوريا ولبنان معا. هناك فقط، من وجهة نظر المقاومين والممانعين، مجموعات من الارهابيين والتكفيريين والغرباء والعصابات المسلحة التي لا غاية لها سوى الاخلال بالأمن والاستقرار والحياة الهانئة في البلدين.
قبل مؤتمر «جنيف2» السوري، وفي خلال جلساته التي توقفت بسبب تنكر النظام لكل ما تشهده سوريا من قتل وتدمير وتشريد واصراره على مقولة «الحرب الكونية» و«الارهاب الوافد من الخارج»، كما في سياق البحث في صياغة البيان الوزاري للحكومة اللبنانية، لا حديث لهؤلاء سوى عن مكافحة الارهاب وصولا الى الحاجة الى «استراتيجية دفاعية»(يطالب نظام بشار الأسد بأن تكون عالمية؟!) من أجل هذه الغاية.
واذا كان لا أحد في لبنان يجادل في الحاجة الى شن حرب شاملة ومن دون هوادة ضد الارهاب والارهابيين، فلا مفر من القول ان المطلوب أولاً وقبل كل شيء الإحاطة بالأسباب التي أدت الى هذه الظاهرة (فضلاً عن التوافق عليها) في الوقت الذي تعلن فيه هذه الحرب…ان في البيان الوزاري للحكومة أو في خطتها وجدول أعمالها للمرحلة المقبلة.
وهنا المشكلة التي لا يريد المقاومون والممانعون البحث فيها أو حتى مجرد الكلام عنها، مع أن الأمر بالغ الجلاء لمن في عينيه نظر:
أولاً، تماماً كما رفض بشار الأسد الاعتراف بالثورة ضد نظامه منذ اليوم الأول لقيامها في الحادي عشر من آذار العام 2011، وعزا الأمر الى «مؤامرة خارجية» عليه واستخدام «عصابات مسلحة» غير سورية لتنفيذها، قام حلفاؤه في لبنان بترديد المقولات والذرائع نفسها حول الوضع السوري في البداية، ثم في الفترة الراهنة حول ما تسرب من تداعيات هذا الوضع الى لبنان…مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ النازحين من هول المأساة، وآلاف الجنود والمسلحين الفارين هرباً من الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة، ثم مئات الارهابيين ذوي الأجندات الخاصة والذين وجدوا في الحدود السائبة بين سوريا من ناحية، والعراق وتركيا والاردن ولبنان من ناحية أخرى، فرصتهم للعمل من أجل تنفيذ هذه الأجندات.
وفي الحالتين، لم يشك أحد من السوريين واللبنانيين في أن ما سعى اليه الأسد منذ البداية كان التغطية على ما تشهده بلاده من ثورة شعبية سلمية، بإدعاء أنها ليست سوى «حرب كونية» على ما يسمى «جبهة المقاومة والممانعة» التي تضمه الى جانب ايران و«حزب الله»، و«مؤامرة خارجية» ضد نظامه لهذا السبب بالذات. كما لا يشك أحد منهم الآن كذلك في أن ما يسعى اليه أتباعه في لبنان(«حزب الله» وحلفاؤه) في مسألة الحكومة وبيانها الوزاري، هو التغطية على مشاركتهم بالسلاح والمقاتلين والموقف السياسي في الحرب في سوريا دعماً للنظام، واستدعاؤهم بذلك أعداداً من المقاتلين الذين يعتمدون الارهاب أسلوب عمل لهم، ويعيثون في الأرض اللبنانية فساداً(اغتيالات وعمليات انتحارية وسيارات مفخخة) منذ شهور تحت ذريعة الرد على هذه المشاركة.
ثانياً، كما رفض الأسد دائما دعوات قادة العالم له لاصلاح نظامه استجابة لمطالب الشعب، واتهم أصحابها بالتآمر عليه وحتى بتشجيع وتمويل وتسليح الثوار بعد أن اضطرهم لحمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم، كذلك فان أتباعه في لبنان(«حزب الله» والحلفاء) يعمدون الى اتهام كل من يأخذ عليهم التورط في سوريا ويطالبهم بالانسحاب منها درءاً للمخاطر التي تتهدد لبنان، وبخاصة منها موجة الارهاب التي تضربه الآن، بأنه «يبرر الارهاب» ويقدم لأصحابه ذريعة لمواصلة جريمتهم.
ليس ذلك فقط، فقد استبق هؤلاء(دمشق وأتباعها في لبنان) المرحلة الراهنة باتهام «تيار المستقبل» وكل من أيد الثورة السورية، سياسياً واعلامياً أو حتى مادياً بانتقال شبان متحمسين الى الداخل السوري للقتال الى جانبها، بأنهم جزء من «المؤامرة الخارجية» على النظام، والعمالة المباشرة لاسرائيل والاستخبارات الاميركية في حربهما على المقاومة والممانعة.
ثالثاً، من مفارقات الزمن الحالي أن نظام الأسد كان قبل العام 2011 متهم بأنه جزء من الارهاب في العالم (تهديد رئيس الوزراء العراقي بتقديم شكوى ضده الى مجلس الأمن)، فضلاً عن أنه عقد مع واشنطن صفقات عديدة كشف في خلالها معلومات لاستخباراتها وسلمها بعض المتهمين به، في الوقت الذي يدرج فيه «حزب الله» وقادته على اللائحة الأميركية للارهاب وجناحه العسكري على اللائحة الأوروبية…وهما اللذان لا يجدان في سوريا الآن، ولا في لبنان بالتبعية، الا الارهاب والتكفير والسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية تقوم بها تنظيمات مثل «الدولة الاسلامية في العراق والشام» و«جبهة النصرة» وغيرهما، ويطالبان(بلسان وفد النظام الى «جنيف2») بانشاء جبهة عالمية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية لمكافحة الارهاب.
لماذا؟!. مرة أخرى هو الهرب من القضية الاولى والجوهرية في البلدين والتغطية عليها: الثورة الشعبية العارمة في سوريا ضد نظام الأسد، والرفض اللبناني شبه الكامل لتورط «حزب الله» وحلفائه في الحرب ضد هذه الثورة ودفاعاً عن النظام.
نحن الآن أمام هذه الحقيقة المرة.
ذلك أنه اذا كان الارهاب موجوداً فعلاً في البلدين، وما من شك في ذلك، فلا يفعل المقاومون والممانعون هنا وهناك، كعادتهم على الدوام، الا تظهير الهدف الخطأ والتصويب عليه انقاذاً لماء الوجه من ناحية، ومحاولة لإطالة عمر الحلفاء من ناحية ثانية.