#adsense

الحملة على سليمان… خشبيّة وإنتقاميّة وإستباقية

حجم الخط

تعرَّض الرئيس ميشال سليمان ويتعرَّض لحملة خشبية لأنّه استبدل «جيش وشعب ومقاومة» بـ»أرض وشعب وقيَم مشتركة»، مؤكّداً أنّ «المؤسّسات الشرعية لا شريك لها في القرار والتنفيذ سياسياً وعسكرياً». ودعا إلى «عدم التشبّث بمعادلات خشبية جامدة تعرقل صدور البيان الوزاري»، مشدداً على أنّ «إعلان بعبدا» أصبح «في مرتبة الميثاق الوطني».

يُخطئ من يَعتقد أنّ الحملة المنظَّمة التي استَهدَفت الرئيس سليمان هي بِنت ساعَتها وجاءت رداً على مجموعة العناوين والمواقف التي أطلَقها في جامعة «الروح القدس – الكسليك»، هذه الجامعة التي أدّت دوراً ريادياً إبّان الحرب الأهلية في احتِضان القضية اللبنانية وحِمايتها من النظام السوري ومُلحقاته، إنّما هذه الحملة كانت معدَّة سلفاً في انتظار أيّ موقف يُطلقه رئيس الجمهورية لتصبَّ حِممها عليه، ولكن ليس بقصد التصويب على شَخصه فقط، بل لتحديد سقف الرئيس المقبل وبرنامجه، وإلّا… الفراغ.

فالحملة على سليمان هي بهذا المعنى مُزدوجة: انتقاميّة واستباقية، وفي الحالتين دَلّت على محورية موقع رئاسة الجمهورية في المعادلة الوطنية.

أولاً، على المستوى الانتقامي: «حزب الله» كان بدأ يتحيَّن أيّ مناسبة ليسَ لقطع الطريق على التّمديد كما يُقال ويُشاع، لأنّ مَن يُطلق المواقف التي يُطلقها سليمان لا يُفكّر في التمديد من قريب أو بعيد، إنّما للانتقام منه على المواقف التي اتَّخذها منذ الثورة السورية. فالحزب افتَعل الاشتباك مع سليمان عن سابق تصوّر وتصميم بُغية جعل لحظة خروجه من قصر بعبدا لحظة انقسامية بدلاً من أن تكون محطّة وطنية جامعة، إذ كان في استطاعتِه ترحيل هذا الاشتباك إلى ما بعد خُروجه من الرئاسة بعد أقلّ من ثلاثة أشهر طالما أنّه حاوَل تحييد «مقام رئاسة الجمهورية» عن قصر بعبدا الذي بات يحتاج، في نظر الحزب، إلى عناية خاصّة، في رسالة لا يُمكن فهمها إلّا كونها تنمّ عن تهجّمٍ شخصي يخرج عن حدود الآداب واللياقة.

ثانياً، على المستوى الاستباقي: من المعلوم أنّه بعد تأليف الحكومة انتقلَ كلّ التركيز إلى الاستحقاق الرئاسي، الأمر الذي دَفع «حزب الله» إلى قول كلمته في هذا الاستحقاق، ولكن على طريقة الردّ على الجارة (سليمان) لكي تَسمَع الكنّة (كلّ مرشح رئاسي)، في موقفٍ حازم بأنّ الحزب ليسَ في وارد التساهل مع الانتخابات الرئاسية، وأنّ أيّ مرشَّح لا يتعهَّد سلفاً بدعم المقاومة ورَبط مصيرها بمصير زوال إسرائيل لن يَجلِس على الكرسي الرئاسي إلّا في أحلامه.

فالحزب لن يُكرّر تجربة سليمان، أي بإيصال مرشَّح وسطي، فضلاً عن أنَّ وضع «حزب الله» اليوم لا يُقارن بوَضعه في العام 2008، إذ إنّ مصيره على المحكّ في ظلّ قتاله في سوريا واشتِباكه مع أهل السُنّة من لبنان إلى كلّ أصقاع العالم، وعُزلته العربية والدولية والمفاوضات النووية والسورية التي ستتكفَّل بإنهاء دورِه الإقليمي. وبالتالي، حيال كلّ هذه التطورات سيَجِد نفسه مضطراً إلى التشدّد رئاسياً خشية عزلته الداخلية، خصوصاً أنّ تقاطع رأسَي السلطة التنفيذية على السياسات الوطنية الكبرى سيَزيد من إرباكه وإحراجه. وبالتالي، سيَنحَصِر هدفُه في هذا الاستحقاق بينَ إيصال مرشّح من صفوفِه وبين الفراغ.

ومن الواضح أنَّ «حزب الله» يُحاول في هُجومِه على سليمان جسَّ نبض «14 آذار» الحكومية لمعرفة حدود تضامُنها مع رئيس الجمهورية، لأنّه إذا تمكَّن من تحييدها يعني أنه نَجحَ في خَفض سَقفها الوطني، كون الهجوم ليس على حِجارة قصر بعبدا، بل على مواقف ساكِنه الوطنية، هذه المواقف التي كانت أساساً، ويُفترض أنها ما زالت، مواقف «14 آذار».

ومن هنا «14 آذار» مدعوّة إلى وَقفة تضامنيّة فعلية لا كلامية فقط مع سليمان بعيداً عن الحسابات الحكومية والرئاسية، خصوصاً أنَّ هدف دخولها إلى الحكومة، وِفق المواقف المعلنة لـ»14 آذار» الحكومية، تحسين شروط المواجهة مع «حزب الله»، أيّ المشاركة للجلوس في مُواجهته لا في موازاته، وما حصَلَ مع سليمان اليوم هو تكرار لما حَصَل مع الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري، وهو اشتباك في الشكل مع الرئاسة وفي المضمون مع كل القوى السيادية في لبنان.

وقد تكون مناسبة ذهبيّة لـ»14 آذار» الحكومية من أجل التخلّص من المساكنة الخشبية مع «حزب الله»، تحويل الحكومة السلامية حكومة تصريف أعمال، فتكون استعادَت بذلك موقع رئاسة الحكومة ومواقع وزارية أساسية، وتجنَّبت أن يَنتَقل الفراغ في الرئاسة الأولى إلى شخصيّة 8 آذارية أو قريبة من هذا المحور. وبالتالي، الفرصة سانحة ومُتاحة لتَصحيح خطيئة المشاركة مع الحزب في حكومة واحدة بالإعلان أنّ الهدف كان إعادة السراي لأصحابها التمثيليّين الفعليّين في لحظة تفريغ الرئاسة الأولى، وأنّ المواجهة مستمرة مع «حزب الله» حتى انسحابه من سوريا أوّلاً وتسليم سِلاحه أوّلاً وأخيراً…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل