
كتبت رلى خالد في صحيفة “النهار”:
لاندلاع الأزمة السوريّة تداعيات خطيرة على الوضع اللبناني، فإلى جانب الوضعين الأمني والسياسي، وتدفّق اللاجئين السوريين بمئات الألوف، تبرز مشكلة أشدّ خطورة على المجتمع اللبناني، تتمثّل بانتشار كثيف للمواد المخدّرة، وتحديداً حبوب الكبتاغون التي تُغرق لبنان وتحوّله بلداً مصنّعاً ومصدّراً لها.
وكانت صناعة هذه المخدّرات نشطت في سوريا منذ نحو 10 أعوام، لكنّ الحرب دفعت التجّار السوريّين الى استخدام لبنان كبلد “ترانزيت”، لنقل حبوب الكبتاغون الى الخليج العربي، أكبر سوق مستهلك لها. ويوضح رئيس شعبة مكافحة المخدرات ومكافحة تبييض الأموال والإرهاب في الجمارك اللبنانية العقيد جوزف نقولا سكاف، “إنّ تجارة المخدرات تفاقمت في شكل لافت في الفترة الأخيرة في لبنان، وقد شهدنا تطوراً كبيراً على صعيد هذه التجارة الممنوعة مع بداية الأزمة في سوريا. ولاحظنا أنّ ظاهرة الاتجار بها تحوّلت أخيراً من مادة الكوكايين، التي كانت شائعة قبل الأزمة السورية، الى ظاهرة جديدة تصعب مُراقبتها ويَسهل تعاطيها وتهريبها، وأعني بذلك الحبوب المخدرة، الكبتاغون، التي تنشط في الدول العربية أخيراً”.
ويضيف سكاف: “في السنوات السابقة كانت الشعبة تضبط مواد منها على شكل بودرة جاهزة للتحويل الى حبوب، وظهرت بوادر هذا النوع الجديد العام 2007، إذ ضبطت الشعبة كميّات منها على معبر العبوديّة الحدودي، وتمكّنا من مصادرة كميّة 103 كيلوغرامات منها، وكانت البادرة الأولى لتدفّق المادة الأوليّة لتصنيع حبوب الكبتاغون.
وترصد مجموعات الشعبة أخيراً على الحدود الشمالية اللبنانية، تحديداً عند عكار والبقاع الشمالي، عمليات تهريب كثيفة لهذه المادّة المخدرة، نتيجة للوضع الأمني القائم هناك منذ بدء الأزمة السورية، ممّا يمنع تدخل عناصر الشعبة في شكل فاعل للحدّ من عمليات التهريب، وذلك نظراً الى التداخل بين الأراضي الحدودية اللبنانية – السورية”.
ويكشف سكاف “أنّ لبنان كان قبل ثلاث سنوات، أي قبل اندلاع الأزمة السورية، دولة عبور للمخدرات، ليتحوّل مع اندلاعها دولة مصنّعة. وكانت المخدرات تأتي في ما مضى من أوروبا الشرقية، وتحديداً بلغاريا، أكبر دولة مصنّعة للكبتاغون، وتعبر تركيا في اتجاه سوريا ولبنان، ومنه الى الدول العربية، وذلك يعود بالدرجة الأولى الى الثقة التي يتمتع بها لبنان بين الدول العربية على صعيد التبادل التجاري، ممّا دفع بالمهرّبين الى استغلال هذا الموضوع. أمّا اليوم، فأصبحت المعامل تنتج محلياً، وقد تمّ ضبط العديد منها على المرفأ، فضلاً عن المواد الأولية المستخدمة في إنشائها، ممّا يؤكد التوجه بنقل هذه المعامل الى لبنان”.
ويستطرد: “إنّ تفاقم مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان، اذ تخطى عددهم المليون ونصف المليون، يعتبر كارثياً على المجتمع اللبناني، لجهة ترويج المخدرات الذي تخطى كلّ المحظورات، بحيث نجد في بيروت مروّجي مخدرات لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات. ومنذ انطلاق الأزمة في سوريا ينشط السوريّون على خطّ تهريب المخدرات، لأنهم يعانون ظروفاً صعبة وجوعاً وعوزاً، ممّا يحوّلهم مصدراً سهلاً للاستغلال، وقد أوقفنا العديد من المهرّبين السوريين يحاولون تمرير حبوب الكبتاغون باتجاه الدول العربية”.
تعتبر حبوب الكبتاغون المخدّرة، وفق العقيد سكاف، من الأخطر اليوم في الأسواق اللبنانية، “إذ يصعب كشفها بواسطة الكلاب البوليسية التي لا تألف رائحتها، لأنّها تختلف كلياً عن رائحة الكوكايين وبقيّة المواد المخدرة التي تدرّبت الكلاب عليها، لذلك نعمد الى اجتثاثها بواسطة الآت سكانر متخصصة ومتطورة”.
ويضيف: “لم يجد التجّار السوريون عناءً في نقل معدّاتهم الى لبنان، لأنّ تصنيع الكبتاغون لا يحتاج الى معدّات ضخمة”. فآلة التصنيع عبارة عن ماكينة للشوكولا، يُخرط لها قالب خاص بالحبوب بدلاً من القالب المخصّص للشوكولا، وتصبح صالحة للصناعة، فتنتج نحو 700 حبّة في الدقيقة، ومن السهل تهريبها من بلد الى آخر لأنّها تُستورد لاستعمالات شرعية معروفة.
إنّ مجموع حبوب الكبتاغون التي ضبطها مكتب مكافحة المخدرات العام 2013، تبلغ حوالى 12 مليون حبة، وآخر عملية ضبط على المرفأ تجاوزت 5 ملايين حبة كبتاغون. أمّا في البقاع فضبطت 6 ملايين حبة، كانت متوجهة كلّها الى دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنها الى السعودية، لأن التهريّب لم يعد يسلك الطريق المباشر في اتجاه السعودية، بل أصبح يلجأ الى دول غير مُدرجة على اللائحة السوداء في السعودية، مع العلم أنّ نسبة تعاطي المخدرات ارتفعت أخيراً في الإمارات”.
يؤكد سكاف “أنّ الإدارة في الجمارك اللبنانية جادّة جداً في موضوع مكافحة المخدرات، ونظراً الى تصاعد عمليات التهريب في لبنان في السنوات الماضية، نعمد الى تدريب العناصر المتخصصة في التفتيش والاستقصاء، ونخضعهم لدورات مكثّفة على الآت السكانر التي تعتبر العامل الأساسي لكشف عمليات التهريب، بحيث تمكّنا في المرحلة الأخيرة من كشف العديد من عمليات التهريب التي اجتازت العديد من المطارات العالمية من دون أن يتمّ الكشف عنها، ممّا يدّل الى مهنية عالية وجديّة في التعامل مع موضوع مكافحة المخدرات من جانب الإدارة”.
ويضيف “أنّ مكافحة تهريب المخدرات عمل شاق ومضنٍ ويرتبط بشبكات عالمية، لذلك لا بدّ من تبادل المعلومات والخبرات، وهذا يحدث عبر مكتب “ريلو” الشرق الأوسط ومركزه الرياض، وقد أدّى هذا التعاون المثمر أخيراً الى القبض على ثلاث شبكات في لبنان”.
ويوضح “إنّ الإمكانات الماديّة الضئيلة لعناصر الشعبة وغياب إمكان التطويع والتنسيق والتعاون ما بين إدارات الدولة ومؤسساتها يصعّب عملية كشف شبكات المخدرات وملاحقتها، من دون أن نغفل عدم وفاء الدول الأجنبية بتعهدّاتها لدعم خطط زراعية بديلة، لذا تبرز الحاجة الى وضع خطة وطنية لمكافحة المخدرات، وانعقاد المجلس الوطني لمكافحتها الذي أنشئ ولم ينعقد الى اليوم، فتكون مؤسسات الدولة أشبه “بسفينة يجذّف فيها كلّ شخص في اتجاه، بغياب أيّ تنسيق بينهم”.
