يومَ أعلن البيتُ الأبيض عن عزمِهِ على شنِّ ضرْبَات عسكرية على سوريا تحرَّكت الدبلوماسية الروسية بقوةٍ رافضةً مبدأ التدخل العسكري في دولة ذات سيادة. ذلك أن روسيا والولايات المتحدة وغيرُهما من الدول لا تعتبرُ الإمدادَ بالسلاح لتسعير التقاتل الداخلي ولا التدخلَ السياسي الاستخباراتي عدواناً، وإنما تعتبر أن العمليات العسكرية المباشرة هي وحدها كذلك – هذا بالتأكيد عندما لا يتعلق الأمر بمصالح إحداها.
أما اليوم، وبعد أن قلبتِ الثورةُ الأوكرانية الحُكمَ المواليَ لموسكو في كييف، ها هي روسيا تُسقط مبدأَ عدم التدخل العسكري في الدول ذات السيادة لأن المسألة تتعلق بمصالحها الستراتيجية والعسكرية والنفطية. وها هو الرئيس الروسي يستحصل على إذن من “الدوما” لشن حملة عسكرية على شبه جزيرة القرم، وها هي طلائع مُسلَّحيه تحتلُّ مطاراتٍ ومقرَّاتٍ حكومية فيها.
فهل أن المبادىء والمفاهيم وُضِعَت للغير فقط، فلا تُلزِم واضِعيها والمُنادِين بها ؟ في حال صح ذلك سيصبح العالم في مهب الريح، وستكون المصلحة هي محرك السياسة الخارجية بغض النظر عن القانون والأعراف الدولية والأخلاقيات السياسية.
إن المطروح أمام روسيا اليوم صعب للغاية، فهي إن هاجمت أوكرانيا عسكرياً ستصطدم بإرادة أوروبية أميركية قد تخرجُها من مجموعة الثمانية أولاً وتضعُها في عزلة عن الغرب الأوروبي والأميركي وحلفائه ثانياً. وهي إن لم تهاجم أوكرانيا فسيكون الموضوع مُكلِفاً لها من النواحي السياسية والاقتصادية والستراتيجية والعسكرية.
أما الحلُّ الواقعيّ والمنطقيّ للأزمة الأوكرانية فيتمثَّـلُ بتوازنِ المصالحِ الأوكرانية-الروسية-الغربية، في بلد يتكلَّم أكثـرُ من ثلثِ سكانِهِ اللغةَ الروسيَّة، وتُشكِّلُ الأثنيةُ الروسيَّة غالبيةَ سكانِ مناطقِهِ الشرقيَّةِ والجنوبيَّة، ويقومُ جزءٌ أساسيٌّ من اقتصادِهِ على المَعُوناتِ الروسيَّة، ويَعتمِدُ إنتاجُ الطاقة فيه على الغازِ الروسيّ، ويَجني أرباحاً من عبورِ الغازِ الروسي في أراضيه باتجاه بولونيا وتركيا وغيرِها من الدولِ الأوروبية. فلا الغربُ قادرٌ لوحدِهِ على سَدادِ الديونِ الروسية المُستَحِقَّة على اوكرانيا والتي تناهزُ الخمسةَ والثلاثين مليار دولار، ولا صندوقُ النقد الدوليّ قادرٌ على فعلِ ذلك. فالتوازنُ بين الغربِ وروسيا وحدُهُ القادرُ على حِفظِ مصالح اوكرانيا، وإبعادِ الكارثة عنها. والعملُ العدوانيُّ على القرم لن يُفيدَ روسيا بالطبعِ ولا أوكرانيا ولا السلام العالمي.
من هنا كان التداخلُ غيرُ المباشرِ مع الملفِ السوري. فلو هاجم بوتين في أوكرانيا، وهو الأمرُ الأكثر ترجيحاً، ستكون انعكاسات عدوانه كبيرةً جداً على الملف السوري، وقد يكون من بينها التدخل العسكري الجوي الأميركي أو الأطلسي. ولو تراجع بوتين عن قرار الحرب واعترف الغرب بحل في اوكرانيا يأخذ بالحسبان المصالح الروسية، سيرتد ذلك حكماً على طبيعة الحل في سوريا، لجهة دور روسيا وإيران في تركيب وتوزُّع السلطة كما لجهة دور ومصير النظام القائم.