كتب فراس خليفة في صحيفة “السفير”: تصلُ الحافلة الآتية من صيدا إلى «خط النهاية» عند منطقة الكولا، حيث كُتبت على جدار مُتداعٍ عبارة تنتمي إلى زمن آخر: «لا حاجة لشهداء آخرين». من هناك يتوزّع المواطنون الآتون من الجنوب إلى وجهات عديدة داخل بيروت وخارجها. ومن «الزاوية» التي تُظِهر أجزاء واسعة من المكان بشكل «بانورامي» تنظر بائعة العلكة الصغيرة إلى المارة متوسّلة أن يبتاعوا علكة «منشان الله». على بعد خطوات قليلة يتجمّع عدد غير قليل من بائعي القهوة للحديث في أمور «المهنة» وأشياء أخرى. في «موقف الجامعة العربية» للنقل العام حركة متواصلة لوافدين ومغادرين مِن الأراضي السورية وإليها. ازدحام مروري خانق لم تخفّف من حدّته حالة «الشّلَل» الجزئية التي أصابت المدينة بفعل التفجيرات الإرهابية في الضاحية القريبة.
ليست الكولا استثناء ولكّنها منطقة لا تشبه سوى ذاتها. لا هي مجرّد نقطة عبور ولا هي منطقة سكنية كاملة الأوصاف بل الاثنتين معاً. لا يعرف كثيرون أن ساحة الكولا اسمها الرسمي هو «ساحة المقاومة والتحرير» (أطلقت بلدية بيروت التسمية على الساحة بعد تحرير الجنوب العام 2000)، ولا ينتبه كثيرون أيضاً إلى أن الاسم الرسمي لجسر الكولا هو «جسر سليم سلام» (والد رئيس الحكومة الراحل صائب سلام). بقي اسم الكولا الأكثر تداولاً شعبياً وإعلامياً. والتسمية (الكولا) جاءت من معمل شركة «الكوكا كولا» (سابقاً) الذي أنشئ في خمسينيات القرن الماضي وأقفل نهائياً أواخر الثمانينيات في المكان الذي ترتفع فيه اليوم أربعة أبراج سكنية عملاقة.
يشير الدكتور حسّان حلاق إلى أن «منطقة الكولا (الواقعة بين وطى المصيطبة غرباً والطريق الجديدة شرقاً) كانت حتى أربعينيات القرن الماضي ممتلئة بالكثبان الرملية وكانت منطقة قليلة السكان والعمران». ويلفت إلى أن إنشاء معمل شركة «كوكا كولا» في تلك المنطقة ولاحقاً «جامعة بيروت العربية» (1960) كان لهما كبير الأثر في اجتذاب الناس للإقامة هناك.
ويقول الأستاذ الجامعي الذي يحفظ خريطة بيروت شارعاً شارعاً إن «وجود بعض المؤسسات الصناعية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والصحية المحيطة بمنطقة الكولا أدّى إلى تطوّر المنطقة تباعاً من دون إغفال تأثير كورنيش المزرعة القريب الذي كان، ولا يزال، يشكل أحد الروافد المهمّة لضخ الحركة السكانية بشكل يومي».
في السنوات الماضية بدأ «دَوْر» المنطقة يتوسّع شيئاً فشيئاً. فبعدما كانت محطّة رئيسية للركاب المتوجّهين إلى الجبل والجنوب والشمال والبقاع ونقطة مرور «إجبارية» لأجزاء كبيرة من العاصمة وضواحيها، تحوّلت اليوم إلى مركز سكني وتجاري وتربوي آخذ بالتوسّع. فمشروع «شمس بيروت» الذي شُيّد حديثاً قد يكون الأضخم من نوعه في بيروت لناحية عدد الوحدات السكنية (يبدأ سعر الشقة بـ400 ألف دولار)، إضافة إلى مركز تسوّق الطوابق الأرضية الذي يضمّ عشرات المحال التجارية. وقريباً من المشروع السكني ارتفع صرح جامعي ضخم يستوعب ما يزيد على ألف طالبة وطالب. الجامعة كانت سبباً مباشراً لافتتاح مقهى قبل شهرين مقابل البناء الجامعي والهدف هو جذب هذه الفئة ذات القدرة الشرائية المتوسطة.
ناس الكُولا
قبل ثلاث سنوات أعاد بائع الصحف «تموضعه» تحت جسر الكولا بعدما أقام الجيش موقعاً عسكرياً ثابتاً في المكان الأول لنقطة البيع وبعد عملية التعديل التي حصلت في وجهة السير هناك. بائع الصحف الذي صار أحد الوجوه المألوفة في منطقة الكولا لم يعد بحاجةٍ إلى سؤال زبائنه عن اسم الجريدة التي يريدون شراءها فيسلّمهم إيّاها عـ«الطاير». الرجل النشيط صار بمثابة «دليل» لكثير من المواطنين الذين يسألون عن هذه الوجهة أو تلك. وبائع الصحف هذا لا يبيعها فحسب بل يقرأها أيضاً ويتابع التطورات السياسية لحظة بلحظة عبر جهاز راديو قديم يحتفظ به منذ زمن طويل.
قد يظنّ كثير من العابرين أن «سُكّان جسر الكولا» هم مجرّد وجوه بلا أسماء. سالم غندور ابن البقاع الأوسط (مواليد العام 1948) الذي مضى على «إقامته» هنا أكثر من 15 سنة لم يعد لديه سوى أن «يعدّ الأيام واللياليَّ وأن يراقب حركة المارّة». يطلب من أحدهم أن يأتي إليه بـ«ساندويش» دجاج مشوي وقنّينة ماء من الحجم الصغير. يقول سالم نصف الحقيقة ويحتفظ بالنصف الباقي لنفسه: «نفَض الجميع أيديهم وتبرّأوا مني بعدما أشهرت إفلاسي. كنتُ رجلاً وسيماً أيام شبابي وأعملُ في مجال إدارة الأعمال. أما الآن وقد أقعدني المرض وصار الرصيف محلّ إقامتي الدائمة فلا ينظر الناس إليّ إلا من باب الشفقة»! يتذكّر سالم كيف أن بعض «الزعران» سطوا عليه قبل سنوات قليلة وأخرجوا من معطفه ما تبقّى معه من مدّخرات نقدية. منذ ذلك الحين يعتاش الرجل على ما يقدّمه له «ولاد الحلال» الذين يغطّون له جزءاً من حاجياته من غذاء ودواء!
على بعد مئتي متر تقريباً من «مكان إقامة» سالم، يواجه رامي سعيد (فلسطيني من مخيم صبرا وشاتيلا) مصيره بإحباط كبير يلامس اليأس. «لولا الإصابة البليغة التي تعرّضتُ لها في ساقي نتيجة حادث صدم بالسيارة لَما كنتُ هنا»، يقول رامي مضيفاً: «حتى قبل الإصابة كنتُ عاطلاً عن العمل، رغم انني أحترف مهناً عديدة كتركيب خزانات المياه ودهان البيوت وغسيل السيارات»! لا ينسى رامي أن يوجّه عتباً على «الأونروا» التي لم تنظر إلى حالته الخاصة رغم إلحاحه في الطلب، ويقِر أن «جمعية خيرية مسيحية» قدّمت له مساعدة مادية لتغطية نفقات علاجه في المرحلة الأولى. يقول رامي بغصّة كبيرة: «خرجتُ من المخيّم إلى هذا السجن المفتوح ولا أعرف أين أكون غداً»!
لا يخفّف من كآبة رامي سوى «مأساة» صديقه أمجد النازح من سوريا. أمجد الذي جاء إلى بيروت قبل أشهر بعدما خسر كل شيء دفعة واحدة فكّر كثيراً بالعودة إلى مسقط رأسه في مدينة القصير (حمص). «لم أفقد الأمل بعد في إيجاد عمل في أي شيء هنا». لا يبدو أمجد متفائلاً بقرب عودته إلى بلاده. يقول الرجل كمن يبوح بسرٍّ خطير: «كثير ممّن حملوا السلاح عادوا وندموا لاحقاً. كلّنا نتحمّل المسؤولية عن خراب سوريا»!
في الجهة الأخرى من الساحة وعلى الرصيف المجاور لما يعرف بـ«حي التنك» (أغلبية سكانه عُمّال من جنسيات آسيوية إضافة إلى سوريين ومصريين وسودانيين ولبنانيين)، يعرض شاب أربعيني كمية كبيرة من العملات والأوراق النقدية القديمة أغلبها عملات لبنانية وجزء منها عربية وأوروبية. «في البدء كانت هوايتي جمع العملات ثم طوّرتها مع الوقت لتصبح مهنة أعتاش منها»، يقول صاحب «البَسطة» مضيفاً: «سعر الرزمة الواحدة (تشكيلة من العملات) هو عشرون ألف ليرة ولكن القيمة ترتفع أو تنخفض حسب الكمية وندرة العملة المعروضة».
عند أطراف الكولا يستظلّ أحمد بفيء شجرة معمّرة (من بقايا حرج وطى المصيطبة سابقاً) ليتناول غداءه في ظهيرة يوم شباطي مشمس. قليل من الباذنجان المتبّل وحبّة بطاطا «مسلوقة» ورغيف خبز يشبه لون بشرته السمراء. زاد يكفيه لمتابعة ساعات عمله الطويلة في مهنة تنظيف الشوارع. لا يعيب أحمد، الوافد من شمال البلاد، العمل في هذه المهنة التي يراها كثيرون مهنة من درجة سادسة! يقول: «الحمدلله المهم أنني لا أتسوّل». يتقاضى أحمد كغيره من رجال «الكتيبة الخضراء» دولاراً واحداً لقاء ساعة العمل الواحدة. «أعمل 12 ساعة يومياً لا تخلو من «لَوْفَكات»، يقول باسِماً ويضيف: «أقوم بواجبي وأعرفُ أن أحد المارة قد يرمي ورقة في المكان ذاته الذي قمت بتنظيفه. سأعود لالتقاطها مجدداً»!
مرُّوا من هنا
كثيرون مرّوا في ساحة الكولا، وكثيرون عبروا الجسر الواصل بين أوتوستراد المدينة الرياضية ووسط البلد. في العقدين الأخيرين شكّلت الكولا منطلقاً لعدد من التحرّكات النقابية والعمالية، ولاسيما تظاهرات سائقي السيارات العمومية. قبل ثلاثة عقود مرّ من هنا رجال المقاومة الفلسطينية وآليات جيش الاحتلال الإسرائيلي والقوات المتعدّدة الجنسية ومقاتلون من ميليشيات وفصائل لبنانية عديدة زمن الحرب الأهلية. من هنا، أيضاً مرّت جماهير أندية كرة القدم في الطريق إلى «الملعب البلدي» صعوداً أو إلى «ملعب الصفاء» نزولاً. قبل العام 2005 كان علم «البعث» هنا. بعد 14 شباط من العام نفسه «اجتاحت» الأعلام الزرقاء كامل المنطقة. لاحقاً مرّت من هنا جموع 8 و14 آذار في التظاهرات الضخمة التي كرّست الانقسام السياسي القائم في البلد. وقبل ثلاث سنوات ارتفعت في الساحة أعلام «الثورة السورية» التي سرعان ما شلّعتها الرياح. لم يبقَ أحد إلا وعبر من هنا!
وجه الكولا قد يتغيّر كلياً في السنوات المقبلة في حال نُفّذ «المشروع الأكبر» على حدّ قول رئيس بلدية بيروت بلال حمد. يتباهى الأخير بأن البلدية قامت بعملية تأهيل وتدعيم لجسر سليم سلام للمرة الأولى منذ إنشائه أواخر السبعينيات لافتاً في الوقت ذاته إلى أن البلدية تدرس حالياً بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار مشروعاً ضخماً لاستحداث طبقة أو طبقتين تحت الأرض (تحتوي على مواقف نقل عام ومواقف خاصة ومراحيض عامة) بهدف وضع حد نهائي للفوضى المرورية التي تعاني منها الساحة. وجه الكولا قد يتغيّر إذاً. ولكن هل سيبقى الإسم (ساحة المقاومة والتحرير) على حاله؟ «بالتأكيد». يجيب حمَد مؤكداً: «بمعزل عن الخلاف في الرأي السياسي كانت المقاومة وستظل مصدر عزّنا جميعاً».