غريب أمرها معادلة «لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته». فاذا كان «حزب الله» يتمسّك بها فهذا شأنه وهذا حقّه، وليرصّع بها راياته، ويصدّر بها بياناته، ويعقد حولها المؤتمرات الفكرية المتمعنة في باطن المعادلة وظاهرها، وعلاقتها بغيرها من الثلاثيات الأيديولوجية مثل «الوحدة والحرّية والإشتراكية» عند حزب «البعث«، وثلاثية «القائد والحزب والشعب» في «حركة الفوز بالرايات الثلاث للثورة الكورية» أو ما يعرف في بيونغ يانغ بعقيدة «زوتشيه». هي واحدة من ثلاثيات كثيرة يعجّ بها عالم الأيديولوجية الرسمية لأنظمة العالم الثالث.
تبقى ثلاثية واحدة ليس بمقدور «حزب الله» أن يقيم حواراً معها انطلاقاً من ثلاثيته «الإبريزية»، و»الإبريز» كما يذكرنا عنوان كتاب رفاعة الطهطاوي الشهير الذي يتضمن هذا اللفظ، هو الذهب الخالص. انها ثلاثية «حرية، مساواة، اخاء» التي رفعتها الثورة الفرنسية، والتي على أساسها تظهر المشكلة الثلاثية لمعادلة «الشعب والجيش والمقاومة»، حيث إنّها لا تترك المجال للحرّية، ما دام الحزب الخميني يريد فرضها فرضاً على من يقول علناً إنه لا يرضى بها.
أما الإخاء، فتناقضه عقيدة تقسيم الناس الى مراتب «تشريفية». فالإخاء «الذهبيّ» بين «الشعب والجيش والمقاومة» انما يأتي ليطمس ان المعادلة نفسها موضع انقسام بين «الشعب»، وان الانقسام قائم بين شعب يريد حصر السلاح في سلاح الجيش والقوى الشرعية وبين شعب لا يريد هذا الحصر وانما صدارة سلاح «المقاومة» لكل سلاح آخر. فإذا كانت مؤسستا «الجيش» و»المقاومة» هما المعنيتين بالإخاء العمليّ في هذه المعادلة، فلماذا لا يُشطَب منها ركن الشعب. وقس على ذلك «المساواة»، المنتفاة بمجرّد أن علاقة أطراف «الشعب» بـ»المقاومة» هي علاقة غير متساوية، حيث إنّ «للمقاومة شعبا فوق الشعب».
أساساً غامض كثيراً ايراد «الشعب» في المعادلة. فهل هي تقرأ «لبنان بشعبه المسلّح وجيشه ومقاومته»، أم «لبنان بشعبه الأعزل من السلاح وجيشه ومقاومته»، أم هي بالأحرى معادلة من قبيل «لبنان بشعبيه المسلّح والأعزل وجيشه ومقاومته»؟ أم هي معادلة «لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته التي تفرض بقوة السلاح انكار البيان الوزاري للإنقسام الشعبي والسياسي حولها وحول ما اذا كانت بالفعل مقاومة وحول حاجتها أساساً إلى ايراد ذكرها في البيان ما دامت تفاخر بأنها في غنى عن الإجماع الوطني؟.
لماذا تصعب الأمور في هذا البلد الى هذا الحد؟ لماذا يصعب فهم ما هو بديهي الى هذا الحدّ؟ البديهي هنا هو انّ هذه المعادلة لا تجمع اللبنانيين حولها. لكن هل ثمة في المقابل من «قيم مشتركة» تجمعهم، ما دامت المساواة السياسية في ما بينهم مفتقدة، بسبب من اللامساواة الأمنية، ما دام هناك «مثل هذه المقاومة»؟! حينما يصير الحدّ الأدنى من بديهيات المنطق غير متوفّر فكيف يمكن الحديث عن قيم مشتركة جامعة؟!