
فلو كان «المستقبل» يعلم بما ينتظره في البيان الوزاري، أو حتى في الحكومة ولو نالت الثقة، لما عذّب نفسه بـ»الطبخة»، بدءاً من الإجتماع السرّي مع رئيس تكتل «التغيير والاصلاح» النائب ميشال عون، وإنتهاء بالتركيبة الحكومية التي لم يتكارم «حزب الله» بمثلها قَبلاً!
الـ14 آذاريون الذين تسرّعوا في دخول الحكومة، باتوا محشورين في مكان صعب جداً. ففي 15 آذار، أي بعد عشرة أيام، تنتهي مهلة الحكومة لتنجز بيانها الوزاري وتنال الثقة. ويعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري وسائر فريق «8 آذار» أنّ مهلة الثلاثين يوماً، التي حدَّدها الدستور لهذه الغاية، هي مهلة إسقاط. فرئيس الجمهورية مضطر بعدها إلى إجراء إستشارات نيابية مُلزِمة لتكليف رئيس جديد للحكومة.
ومن البديهي أن يتمسك الـ14 آذاريون بتفسير مختلف لهذه المهلة. فليست هناك سابقات تدعم نظرية الإسقاط. لكنّ هذا الفريق ليس صاحب المبادرة حالياً، بل خصومه. ولذلك، سيقع فريق «14 آذار» و»الوسطيون»، بعد 15 آذار في ورطة كبيرة.
ولتجنّب بلوغ المأزق، سيكون أمام الـ14 آذاريين المشاركين في الحكومة أحد خيارين:
– أن يصرّوا على موقفهم من موضوع «المقاومة» و»إعلان بعبدا»، فيتمسّك «حزب الله» بموقفه أيضاً، ويتعطّل البيان الوزاري والثقة، وتصبح الحكومة السلامية في وضعية صعبة بعد 15 آذار.
– أن يتجنّبوا تعريض الحكومة للخطر، بعدما كسبوا فيها الحقائب الأساسية كالداخلية والعدل والإتصالات، إضافة إلى رئيسها المنتمي إلى فريقهم. وعليهم عندئذٍ أن يرضخوا لمنطق «المقاومة» في البيان الوزاري.
وفي الحالين هناك ثمن ستدفعه «14 آذار»: إما الحكومةُ وإما بيانُها. وفي المقابل، هناك سيناريوهان سيلجأ «حزب الله» إلى أحدهما. وسيكون ذلك مؤشِّراً إلى خطته في المرحلة المقبلة:
1- قد يستمرّ «الحزب» في التصعيد في البيان الوزاري، ويضَع العراقيل لعدم إيصال الحكومة إلى المجلس النيابي ونيلها الثقة، ولو تنازل فريق «14 آذار». وإذا حصل ذلك، فهو يعني أنّ «الحزب» كان أساساً يناور في تأليف الحكومة، ويكون هدفه عندئذٍ أن يتخلَّص من تمام سلام كرئيس مكلَّف.
وهذه الفرضية مطروحة أساساً في عدد من الأوساط. فسلام تمَّت تسميته في ظلّ ملامح تسوية إيرانية ـ سعودية واكبت مؤتمر «جنيف ـ 2»، وربما يريد الإيرانيون والسوريون و»حزب الله» تطييره اليوم لتسمية شخصية من فريق «8 آذار»، قد تتولّى ترؤس الحكومة التي ستصرِّف أعمال الرئاسة، إذا تعطَّل إنتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل 25 أيار.
2- على العكس، إذا سهّل «حزب الله» ولادة الحكومة، بعدما تنازلت «14 آذار» عن موقفها، ووافقت على بيانٍ وزاري يشرِّع وضعية «المقاومة» ويرفض «إعلان بعبدا»، ويضع مسألة ضرب الإرهاب في طليعة المهمات المطلوبة، فعندئذٍ يكون «الحزب» راضياً بالحكومة السلاميّة التي سقطت تماماً في أحضانه. فالسلاح مشرَّع، والقتال في سوريا. وفوق ذلك، «سُنَّة الإعتدال» سيتدبَّرون «سُنَّة التطرّف»!
سيختار «حزب الله» أحد السيناريوهين حتماً، وفقاً لرؤيته ومصلحته. ولكل منهما مستتبعاته، خصوصاً في ما يتعلّق بالإنتخابات الرئاسية، بحيث يأتي هذا الإستحقاق مُرْبِكاً للخصوم. وثمّة مَن يعتقد أنّ «المستقبل» سيستسلم أخيراً لطروحات التمديد، لأنه ينقذه من الإحراج بين مرشحي الخصوم والحلفاء، ولأنه الأقل كلفة والأقرب منالاً. وبعض الخبثاء ينظر إلى مبالغة البعض في الدفاع عن الرئيس، من هذا الباب حصراً، وليس فقط من باب الحفاظ على هيبة الموقع والرجل.
كيف سيغادر الـ14 آذاريون مأزق حكومة الثلاثين… من أيام الفضة التي صنعوها؟ وهل سيكونون شهوداً على «زواج المتعة» ما بين الذهب والخشب؟