لست أدري لماذا يُعطى بعض الكتبة الذين ورد ذِكرُ أمثالهم في الأناجيل مع الفريسيين والمرائين واللصوص وتجار الهيكل ، لماذا يُعطون أهمية وانتباهاً بأكثر مما يستحقون ، ويُردّ عليهم بما يورّم رؤوسهم ويُعلي من قدرهم، وهو في الأصل بالفلسين مردودُ .
دعوهم وشأنهم ، ولا تمنحوهم ما يبتغون . فهم ليسوا إلا صدى لصوت سيّدهم ، سواء كان مالاً نظيفاً أو رمزاً مرهوناً لأسياد في ما وراء الحدود وبرّ الشام وبلاد ما بين النهرين .
دعوهم وشأنهم . إنهم مجرد حجارة على لوحة شطرنج ِحساباتٍ مذهبية وتنبؤات خيالية !
دعوهم وشأنهم . إذا بَغوا وفحَشوا، فلأن لديهم شعوراً يعتمل حقداً وإرباكاً وعصبية ، وإلا لما استشروا في التطاول على رئيس الجمهورية .
إفهموا دواعي غضبهم . لقد أعمتهم أوهام القداسة والعصمة والنصر الآتي من السماء ، فغاب عن بالهم أنهم آدميون يستكبرون بالسلاح ، وهم من التراب وإلى التراب يعودون !
أتركوا لهم لذة الانفعال ومرارة الخيبة ، ولو فجَروا وفجّروا وقاتلوا وقَتلوا وقُتلوا ، في ما يصوّرونه ويتصوّرونه دار جهاد ، وهو بحق دار ثأر وانتقام وغنائم حرام .
لا تزعجوا خاطرهم ، يكفيهم ما فيهم .
إنه ليَصعًب على من جعلوا أنفسهم حزباً لله دون سواهم من خلقه ، وصنّفوا أنفسهم بأشرف الناس ، ليصعب عليهم أن يصدّقوا أن الله لا ينتظر منهم صك انتماء، ولا يحتاج خِدمات من يدّعي احتكار فهم لاهوته والعلمِ بغيبه ، بينما الآخرون في جهالة جهلاء . إنه لعمري شيء من الكفر الذي يفوق التكفير خطراً .
نعم ، يصعب عليهم أن يعودوا إلى أديم الأرض بعد نفاذ البخار من العقول المستلبة ، وأن يدركوا أن الحق لا يُساس بالمسّاس ولا يؤخذ بجريرة الخوف ، ولا يهاب تجبّراً ولا يمالىء دعياًّ ولا يخضع لابتزاز .
الحق يعرف موضعه ويختار موقعه حيث يرضى . قد يتخفّى وقد يخفى على البعض ، لكنه يدرك كيف يتجلّى وأين ومتى .
كفى غياً وارعَوُوا .
إن لبنان لن يكون ولاية لولي،
ولن يكون محافظة لدولة نظام القمع،
واطمئنوا ، لن يكون أيضاً إمارة لمن تعتقدونهم اعداءكم وأخصامكم .
عجباً لمن يماشيكم ويصرّ ، لغايةٍ أو لخِشية !
ألم يدرك بعد أنكم لا تريدون ميثاقا ودستورا
ووطنا ودولة وقانونا .
لا تريدون رئيسا ومجلسا وحكومة وقضاء،
لا تريدون جيشا ومؤسسات وجمارك،
لا تريدون حرية وتنوعا وازدهارا وحياة ؟
ألم يدرك ذاك البعض أنكم لا تريدون أحداً أو أمراً أو شيئاً، إلا بقدر ما يكون في تصرفكم وفي خدمة مشروع الهيمنة، ولو فوق جبل من الجماجم ونهر من الدماء وبحر من المرارة وأرض مثخنة بالآلام .؟
أهل تعتقدون أننا سنسمح لكم باستيطان إيماننا واحتلال إرادتنا ومصادرة تمسّكنا بالعيش الكريم وحب الحياة والفرح والالوان ؟
عودوا إلى رشد الثورة النظيفة والبريئة ، وتعالوا نبني وطن الممكن ، ونتخلى عن أوطاننا الوهمية .
لقد مللنا المناورات والتذاكي ونوبات التعطيل .
تقاطعون حكومات ، تستقيلون منها أو تصادرونها .
تعطّلون المؤسسات والاستحقاقات على أنواعها والدورة الاقتصادية ومواسم السياحة والاصطياف .
تعطلون وتعطلون وتعطلون ، وها أنتم تتحاملون على رئيس الجمهورية الذي تحمّل منكم ما لا يُحتمل، حتى بق البحصة .
عشرة أشهر وأنتم “تمرزعون” بالاستحقاق الحكومي حتى أوحيتم بتخلّيكم عن الثلث المعطل ولم تتخلّوا عنه .
وفي مقلب آخر ، يواظب دولة الأستاذ على الإطاحة بالجلسة التشريعية اللقيطة، حتى بات مجرد الدعوة إليها مدعاة للسخرية والتأسف لما بلغته المكابرة ، وكأن في الأمر تحدّياً شخصياً .
اليوم يمارس الشباب الأفاضل هوايتهم بتعطيل لجنة صياغة البيان الوزاري ، بحجة التمسك بشعار المقاومة “الراجحية” من جهة ، ويتنصّلون من جهة أخرى من إعلان بعبدا الذي أقرّوه من دون تحفظ ، كما تنصّلوا من اتفاق الدوحة وقضوا عليه بندا بندا ، وكما تنصّلوا من قرار طاولة الحوار بدعم المحكمة الدولية .
حاشية على الهامش أو في الأساس :
إنهم يُعِدّون العدّة كما يبدو لضرب القضاء. فلا تكونوا في السكوت أيها السامعون. والسلام.