#adsense

سائقو الأجرة “فريسة” سجناء رومية

حجم الخط

كتبت بولا الموراني في صحيفة “الجمهورية”:

لم تعُد ضروب الاحتيال والنَصب، على اختلاف أنماطها ووسائلها، ظاهرةً جديدة في مُجتمعنا، وقد دقّت أبوابَ سائقي الأجرة، وعصفت بمصدر رزقهم. فهؤلاء لم يُدركوا أنّهم سيقعون في شباكها، ولم يتوَقّعوا أنّهم سيكونون «فريسة» سجناء قابعين في سجن رومية.

في ظلّ تفشّي الفلتان داخل كلّ القطاعات المجتمعيّة، باتت الأعمال المُحرَّمة مُباحة، ما انعكسَ سلباً على المواطن وحياته العمَليّة وسلوكه. وأمام هذا الواقع، زادت مُعاناة سائقي سيّارات الأجرة، بسبب استراتيجيّة خداع السائقين واستدراجهم للإيقاع بهم، وكأنَّ الطرقات والبُنى التحتيّة المهترئة والازدحام والمنافسة الأجنبيّة نتيجة النزوح السوري لا تكفيهم.

… لا خضوع

ينتظر سائق التاكسي يوسف مطر الرُكّاب، في سيّارته من طراز «Kia»، مُسترجِعاً بـ»قرَف»، حادثةً عايشَها بنفسه، مُبدياً انزعاجه من غياب الدولة وانعدام المُلاحقة والمُحاسبة. وقال لـ»الجمهورية»: «إتّصلَ بي شخص مجهول وخاطبني بإسمي، وسألني إذا كنتُ قادراً على مُرافقة أقربائه الآتين من أوستراليا على مدى عشرة أيّام، موضحاً لي أنّهم يرغبون في زيارة مناطق سياحيّة كالأرز وجبيل وجونيه». وأضاف: «وافقتُ على مُرافقتهم مُقابل 150 دولاراً أميركيّاً، فأبلغني الرجل المجهول أنّه سيتّصل بي مُجدّداً بعدَ خمس دقائق». وأكّد مطر أنّه اتّفقَ معهم بعدَ التفاوض، على مبلغ 210 دولارات، على أن يتضمَّن ذلك البنزين.

وقال: «سألني الرجل المجهول عن موقعي، فقلتُ له إنّني في جبيل، فطلبَ منّي المجيء إلى جسر إنطلياس، وتحديداً إلى شاليهات إيلي خاطر قرب «الغولدن بيتش»، الغرفة 209. وبسذاجة، بدأتُ بسؤال المارّة وأصحاب المتاجر عن مكان الشاليهات، لكن بلا جدوى. وعندما اتّصلتُ به ردَّ عليّ بخداع، وقالَ لي إنّني تأخّرت وإنّه اتّصلَ بي مراراً لكنّ خطّي كان مشغولاً، ما اضطُرّه للذهاب إلى المطار لاستقبال الأوستراليّين».

وتابعَ السائق: «طلبَ منّي المجهول مُلاقاته في المطار، وسألني إذا كان هناكَ متجر قريب لبيع بطاقات تشريج الهواتف، فقلتُ له إنّني لا أرى أيّ مَتجر في الجوار، فطلبَ منّي التوجُّه إلى مَحطّة الكوكودي وشراء بطاقتي تشريج لأنّ هاتفه فرغ من الوحدات بعدَ إجرائه اتّصالاً خارجيّاً». عندها، شعَرَ السائق بالمكيدة التي تُحاك له، فأوهَمَ المجهول بأنّه اشترى له البطاقتين. ولمّا طلبَ المجهول من مطر إعطاءَه أرقام البطاقتَين عبر الهاتف حتّى يستطيع تعبئة خطّه، «لم تجرِ الرياح بما تشتهيه سُفنهُ»، لأنّ السائق رفضَ ذلك، فسارع المُحتال إلى إقفال الخطّ.

وقد سارعَ مطر إلى مخفر جبيل لسَرد ما حصل معه، مُشيراً إلى أنَّ «عناصر الدرك قالوا له «ظمتت بريشك»، لأنَّ أفراداً من جماعة «إسلاميّة» نافذة في سجن رومية يوقعون بالمواطنين لتعبئة خطوطهم الخلوّية، وقد ارتفعَ عدد المُشتكين من حوادثَ مماثلة».

خدعة بعد الأكاذيب

أمّا سائق التاكسي بولس كرم، فكادَ يقع ضحيّة حادثة مُماثلة، لكنّ الحَظّ كان حليفه. وقد روى لـ»الجمهورية» أنَّ «مَجهولين اتّصلوا به من منطقة نهر ابراهيم، وطلبوا منه التوَجُّه إلى المطار لاصطحاب أشخاص وصلوا للتوّ من دبي». وعلى رغم إصرار المجهولين، اعتذرَ كرم منهم بسبب ارتباطاته، وأعطاهم رقم صديقه جان عبدو الذي يملك أيضاً سيّارة أجرة.

فاتّصل هؤلاء بعبدو عند الخامسة من مساء ذلك اليوم، وقالوا له: «صديقكَ بولس أكّد لنا أنّك سائق جيّد، لذلك نرجو منك الذهاب إلى المطار لاصطحاب رجل وزوجته سيصلان اليوم من ألمانيا عندَ العاشرة ليلاً، على أن تُرافقهم مدّة عشرة أيّام، حيث سيزورون المناطق السياحية».

وطلبَ عبدو مبلغ 100 دولار لقاءَ كلّ يوم، إضافةً إلى البنزين، فأكّد له المجهول أنّه سيُعاوِد الاتّصال به بعد ربع ساعة حتّى يأخذ موافقة الرجل وزوجته. وافقَ المُخادع على التسعيرة، وطلب من عبدو المجيء إلى فندق «فينيسيا» في بيروت وإحضار زجاجة كحول وبطاقتَي تشريج كبيرتين «Alfa» و»MTC»، وعلبة سيجار للضيافة.

وقالَ الزبون المُخادع للسائق إنّه يعمل مندوباً لإحدى الشركات الألمانيّة، وإنّه بحُكم وظيفته مُضطرّ للاهتمام بالزبائن، فانصاعَ السائق وأحضرَ الحاجيّات. وبعدَ عشر دقائق، طلبَ زجاجتَي عصير وخمس علب دخان، اثنتان منها على حسابه لعبدو، وسأله عن أرقام البطاقات لتعبئة خطّه، فأعطاهُ إيّاها. وتكرّرت عمليّة الاحتيال من نهر ابراهيم، مروراً بضبيّة وأنطلياس، إلّا أنّ عبدو لم يكتشف خُبث المخادع وطَمعه، فهو كان مطمئناً لأنّ صديقه بولس هو مَن أعطاه رقمه. فكرَّر المجهول فعلتهُ، وسَحَب منه بطاقتَي «MTC» عبر الهاتف.

وبعدما تجاوزَ عبدو منطقة الدورة مُتّجهاً إلى فندق «فينيسيا»، إذ بالزبون المخادع يعاود الاتّصال به، ليطلب مزيداً من الدولارات للتشريج، لكنَّ المال كان قد نفدَ من السائق المخدوع. وعلى رغم ذلك، استمرّ المجهول في «لعبته المقرفة»، طالباً من عبدو المجيء إلى الفندق. ولدى وصوله، لم يكتفِ الصيّاد بفريسته، بل تلاعبَ بها أيضاً. فلفَّقَ الأكاذيب لكي يُجبر عبدو على انتظاره في موقف الفندق. وبعد ساعات طويلة لم يظهر فيها المخادع، استنتجَ عبدو من الأسئلة التي طرحَها على موظّفي الفندق وصديقه بولس، أنّ المجهول ليس سوى مخادع. وقالَ بحسرة: «وقعتُ في الشِباك، لكنّني لجأت إلى مخفر جبيل لتقديم شكوى ضدّ صاحب الرقم (71470684)، علّه يُعتقَل ويُعاقَب، فلا تتكرّر هذه الحادثة مع آخرين. لكنّ الشكوى لم تنفع، إذ أخذَ عناصر المخفر رقمي ووعدوني بأنّهم سيتّصلون بي ما إن تتوافر لديهم أيّ معطيات، متل شي واحَد عَم يضحك على حالو».

لم يسكت ابنُ عبدو عن هذه الحادثة، فحاول الاتّصال بالمخادع عند الحادية عشرة ليلاً، وإذ به يجيب عليه قائلاً: «أنا لم أتّصل بأبيك، سأدَع مروان شربل يتكلّم معك»، وقطَعَ الخطّ.

ويؤكّد مصدر أمنيّ تحدّث معه نجل عبدو أنَّ «الرقم الذي تلقّى والده منه مُكالمات طوال النهار، يعود لأحد السجناء في سجن رومية».

بدوره، كشفَ بولس أنَّ «مَجهولين اتّصلوا به ثلاثة مرّات من أرقام مختلفة، على مدى أيّام، ليحاولوا خداعه، ولكنّه أدرك حيَلهم الحقيقيّة، وبات مُتيقّظاً للخطر المُحدق به بعدَ مشاورة مقدَّم في الدولة».

السائق والمجرم…وجهاً لوجه

إلى ذلك، لم يقتصر الاحتيال على سائقي التاكسي عبر الهواتف. فـ»تاكسي ناكوزي» تعرَّض هو أيضاً للسرقة، ولكن هذه المرّة «وجهاً لوَجه». فهو قد أقلَّ في سيارته رجُلاً لا تبدو عليه ملامح الاحتيال، من منطقة جبيل، مروراً بالبترون، عنّايا، وأخيراً إلى بيروت. وقد ابتاعَ الرجُل هاتفاً خلويّاً رخيصاً للسائق ليُظهر له وفرة المال بالدولار الذي في حوزته ولكي يكسبَ ثقته. كذلك، ابتاع هديّةً لرفيقته، وبعدَ عشر دقائق اقترب من السائق، شارحاً له أنّ أصحاب المتجر لا يتعاملون بالدولار، فاقترضَ منه أربعمئة ألف ليرة لبنانيّة، وخرجَ من المتجر حاملاً الهديّة، فوضعها على المقعد الخلفي وطلب التوجّه إلى الحمرا. وفجأةً، أمرهُ بالتوقّف لرؤية أحدهم، وأمَّنهُ على الهديّة الوهميّة والفارغة، وفرَّ إلى جهة مجهولة.

المكافحة

وعن مكافحة هذه الجرائم، يشير مصدر أمنيّ لـ»الجمهورية» إلى «صعوبة إخراج الأجهزة الخلوية الموجودة في السجن، على الرغم من انخفاض عددها». ويشدّد على «وجوب توافر أجهزة اتّصال ثابتة، على الأقلّ، ليتمكّن السجناء من الاتّصال، بالإضافة الى وعي المواطن للمناورات الاحتيالية التي يُقدِم عليها بعض السجناء من خارج السجن أو من داخله، أو بتواطؤ بين الداخل والخارج»، لافتاً إلى «نشر بلاغات وتعاميم للتذكير والتنبيه من الموضوع».

ويؤكّد المصدر «كشف خلايا عدّة تنشط أعمالها في سجن رومية، بالإضافة الى توقيفات عدّة نفّذتها القوى الأمنية على اختلاف الحالات الواردة، وذلك نتيجة دوريات التفتيش وملاحقة اختصاصيّين في مجالاتهم ومتابعتهم لأبرز المستجدّات»، لافتاً إلى «زيادة عقوبة السجين في حال العثور على هاتف خلويّ معه».

ويبقى السؤال، هل يجب وقوع مزيد من سائقي التاكسي ضحايا أعمال مماثلة، حتى تعي الدولة خطورة الفلتان الأمني؟ ولماذا لا تُفعِّل الأجهزة الأمنيّة دورها، فتُطبِّق القانون على الخارجين عنه في أروقة السجون وخارجها؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل