نقل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان نفحة التحرر والشرعية التي بثّها في لبنان الى باريس. الكلام الذهبي ذاته استعاده الرئيس في العاصمة الفرنسية في المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس الفرنسي لـ«يفشّ خلق» اللبنانيين مرّتين.
كثر في لبنان، ممن تطاولوا على الرئيس وعلى مقام الرئاسة، كانوا بانتظار كلام سليمان في باريس ليبنوا على الشيء مقتضاه. لا شكّ في أنهم توقّعوا كلاماً مغايراً، بعدما شنّوا هجمة على مواقف الرئيس السيادية. «حماية الديموقراطية والمؤسسات في لبنان» هموم حملها سليمان الى باريس مفصّلاً للعالم أجمع والدول الصديقة على وجه الخصوص بأن الشعب لبنان لن يتخلّى عن بناء دولة المؤسسات وعن تسليح الجيش اللبناني وبسط سلاحه على كامل الأراضي اللبنانية.
نقل سليمان الى باريس نيات الشعب اللبناني، بما فيها الجهود التي قام بها بنفسه لتوجيه اللجنة القيّمة على وضع البيان الوزاري للحكومة الجديدة وإدراج «إعلان بعبدا» فيه. قبل أن يغادر سليمان الى باريس، صبّ كامل جهوده ليتّخذ البيان الوزاري «صبغة» بعبدا، لكن المناقشات على طاولة البيان أظهرت نيات الأطراف التي تصرّ على اعتبار «إعلان بعبدا» حبراً على ورق والتي تصف لهجة بعبدا بـ«الخشبية».
وتلازمت الحرب الكلامية ضدّ الرئيس مع حرب «ثلاثية» يمكن اختصارها بـ«المقاومة». بالنسبة الى الممانعين، فإن مقاومة «إعلان بعبدا» كان الهدف منها إضعاف رئيس الجمهورية على حساب إبراز الخلاف اللبناني على طاولة الحكومة. أمنية الممانعين لن تتحقق، فالرئيس استعاد خطابه الوطني بامتياز في باريس وأضاء على نقاط الضعف التي يعاني منها لبنان والتي تنعكس على الشعب اللبناني ومستوى معيشته وعلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
ليس صعباً على ميشال سليمان أن ينقل صورة من النموذج اللبناني الى الخارج، فهو موضع ثقة ولا شكّ في ذلك، وإن اعتبر «حزب الله» من خلال عرقلته صياغة البيان الوزاري بأنه سيُضعف بذلك موقف الرئيس في باريس. على العكس، فإن «حزب الله» هو من يتّخذ أدنى مستوى، بعد إدراج جناحه العسكري على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وبعد اتّهامه بالعديد من التفجيرات الإرهابية في العالم.
صحيح أن الاتفاق حول البيان الوزاري لم يتم لكن تسليح الجيش حتميّ ولن يتأخّر المجتع الدولي عن دعم لبنان نظراً الى تاريخ سليمان في محاربته الإرهاب حين كان قائداً للجيش، ثم وقوفه الدائم الى جانب الشعب اللبناني في قضاياه المحقّة، ومطالبته الدائمة بتحييد لبنان عن الصراع القائم في سوريا والاحتجاج على القصف السوري الذي يطال الأراضي اللبنانية. كل هذه المزايا اجتمعت في رئيس واحد لتعزيز علاقاته الدولية وتجعلها أكثر تفاعلاً، مع ما يتمتّع به سليمان من سمعة وطنية وتمسّك بالدستور ما يزيد من احترام المجتمع الدولي له.
ربّما سيطول انتظار البيان الوزاري لتحديد سياسة الدولة في المرحلة المقبلة، لكن خطابات سليمان في هذه الآونة في لبنان وباريس تصلح لأن تكون بياناً مقتضباً وشاملاً وملمّاً بكل التفاصيل. هذه هي السياسة العامة للدولة اللبنانية، فما الذي يحتاجه المواطن اللبناني اليوم غير السلم والسلام، وإبعاده عن الصراعات الدائرة في المنطقة، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عنه، ودعم جيشه الوطني الى أن يسقط سلاح «حزب الله» في حفرة إرهابه؟
أمام كل دول العالم، عرض سليمان سياسة لبنان، من دون أن يُسكته تهديد أو أن يخيفه سلاح. بيان سليمان سينال ثقة 4 ملايين لبناني، وإن كان عدد منهم لا يوافقه الرأي، لكن المقبل من الأيام سيُظهر أنه على حقّ لأنه يريد إنقاذ لبنان من الموت. ألا يستحق رئيس جمهورية لبنان إجماعاً على الثقة؟
