“خسر الرئيس فلاديمير بوتين معركة أوكرانيا ولن يستطيع أن يحتفظ بهذه الدولة ذات الأهمية الحيوية والاستراتيجية الكبرى ضمن منطقة النفوذ الروسي من طريق استخدام القوة المسلحة والتهديد بممارسة حق التدخل العسكري فيها تحت ذريعة الدفاع عن المصالح الحيوية لروسيا إذ انه يواجه في وقت واحد تصميماً شعبياً واسعاً في هذا البلد على مقاومة نزعته التوسعية وتحالفاً حقيقياً أميركياً – غربياً – دولياً مصمما على إحباط مخططاته بوسائل مختلفة. ولن يربح بوتين معركة سوريا أيضاً من طريق التشدد لأن روسيا عاجزة وحدها عن إيجاد حل سياسي للأزمة تفرضه على مختلف الأطراف والدول المعنية ولأن حليفها نظام الرئيس بشار الأسد لن يستطيع أن يحسم المعركة عسكرياً أو سياسياً لمصلحته وأن يفرض سيطرته مجدداً على البلد وينقذه ويعيد بناءه ويحل مشكلاته الهائلة”. هكذا لخص مسؤول غربي بارز في باريس أبعاد التورط الروسي في الأزمة الأوكرانية وانعكاساته على مسار الأزمة السورية.
وقال استناداً الى مضمون المشاورات بين فرنسا وأميركا والدول المعنية الأخرى: “حقيقة الأمر ان الغرب لم يكن راغباً في تفجير أزمة مع روسيا وان بوتين لم يتصرف بعقلانية إذ انه رفض في البداية عرضاً أميركياً – أوروبياً يدعوه الى أن يترك الأوكرانيين يقررون مصيرهم بأنفسهم في الإنتخابات المقبلة ويقبل بقيام علاقات تعاون وثيق بين هذه الدولة والإتحاد الأوروبي في مقابل تشجيع الدول الغربية الأوكرانيين على الإحتفاظ بعلاقات طبيعية جيدة مع روسيا وعلى قيام تعاون غربي – روسي من أجل تثبيت الإستقرار في هذا البلد. وما حدث فعلاً هو ان بوتين شعر بذعر حقيقي وبقلق شديد من تطورات الأوضاع في أوكرانيا إذ أدرك ان الإنقلاب على القيادة المرتبطة بموسكو لم تنقذه أقلية صغيرة متطرفة بل ان ثمة موجة شعبية عارمة تؤيد التقارب الوثيق مع الإتحاد الأوروبي والغرب عموماً مما ستكون له إنعكاسات سلبية خطيرة على الأوضاع في روسيا ذاتها تؤدي الى إضعاف سلطته ونفوذه وتقضي على حلم قيام “روسيا الكبرى” من طريق توثيق الروابط مع الدول المجاورة لها، ذلك ان أوكرانيا هي الدولة الأقرب الى روسيا والأكثر أهمية في منطقة نفوذها الى حد ان بوتين يقول إن الروس والأوكرانيين شعب واحد وهو ما يقوله النظام السوري عن العلاقات بين السوريين واللبنانيين. ولو كان بوتين واثقاً من ان الأوكرانيين سيختارون في الإنتخابات المقبلة البقاء في منطقة نفوذه لما هدد باستخدام القوة المسلحة من أجل الدفاع عن المصالح الروسية الحيوية “.
وأضاف المسؤول الغربي: “بوتين أخطأ في حساباته إذ ان تمسكه بموقفه المتشدد هذا ينتهك القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة ويخرق إتفاقاً رسمياً أنجزته روسيا والدول الغربية عام 1994 ينص على ضمان إستقلال أوكرانيا ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية في مقابل تخليها عن أسلحتها النووية. كما ان التمسك بهذا الموقف المتشدد يفجر أزمة جدية في العلاقات الروسية – الأميركية – الغربية ويؤدي الى فرض عقوبات على روسيا وتجميد التعاون الغربي معها في مجالات حيوية عدة والى إلغاء قمة الدول الصناعية الثماني في أراضيها في حزيران المقبل، كما يؤدي الى طرد روسيا من عضوية مجموعة الدول الثماني الكبرى مما يقلص الى حد كبير الإستثمارات والمشاريع الغربية في هذا البلد. وهذا كله يمكن أن يحصل من غير أن ينجح بوتين في استعادة أوكرانيا الى منطقة نفوذه”.
وأوضح المسؤول الغربي “ان الأزمة السورية باتت جزءاً من الصراع الأميركي – الروسي بعدما كانت جزءاً من التعاون الأميركي – الروسي. ويمكن أن يتشدد بوتين أكثر في سوريا لكنه لن يستطيع تغيير مسار الأوضاع إذ انه عاجز عن حل الأزمة السورية وتحقيق مكاسب من غير التعاون مع أميركا والدول الأخرى المعادية لنظام الأسد. في الوقت عينه لن تستطيع أميركا والدول الحليفة لها أن تتساهل في سوريا بل ستزداد تصميماً على العمل من أجل إنهاء حكم الأسد وعلى تكثيف مساعداتها للمعارضة وعلى تنفيذ إجراءات وخطوات إمتنعت عن اتخاذها في مرحلة التعاون مع موسكو لحل الأمة السورية”.
وخلص الى القول: “بوتين يواجه خيارات بالغة الصعوبة إذ انه سيخسر إذا تراجع ورضخ للأمر الواقع لأن أي مفاوضات غربية مع روسيا يجب أن تؤدي الى ضمان إستقلال أوكرانيا وحق شعبها في تقرير مصيره. كما ان بوتين سيخسر إذا استخدم القوة أو إحتل جزءاً من أوكرانيا أو سعى الى تفكيكها لأن الرد الأميركي – الغربي سيكون قاسياً. وقد دخلت الأزمة السورية منعطفاً جديداً مهماً إذ باتت إمتداداً للأزمة الأوكرانية وتفاعلاتها الدولية”.