من شدّة حرصها على مصلحة اللبنانيين، تتخوّف كتلة «الوفاء للمقاومة» من أن يفوت أوان اتّفاق اللبنانيين حول البيان الوزاري. «اسمع تفرح جرّب تحزن»، هذا هو الانطباع الذي يتركه بيان كتلة «الوفاء للمقاومة» بعد الاجتماع الأسبوعي، ليس في خواتيمه طبعاً حيث يصبّ المجتمعون كامل تركيزهم على اللبنانيين، كأنهم يتّبعون سياسة التأثير على الجهاز العصبي للشعب، بعد إعلان «القمصان السود» في وجههم حرب استنزاف.
من أصل 30 يوماً للإجماع حول البيان الوزاري، باقٍ 10، حُرق من المدة بكاملها 20 يوماً، تمسّك خلالها «حزب الله» بثلاثيته مفشلاً إنجاز البيان الوزاري استناداً الى «إعلان بعبدا» الذي كان قد وافق عليه ثم نقضه واعتبره «حبراً على ورق». في هذه الفترة الدستورية القصيرة المتبقّية، يأمل «حزب الله» أن «يشيل الزير من البير»، لكنّه إذا استمرّ في تعنّته فإن «إغراءاته» لن تستتبع تنازلات من الشعب اللبناني.
في كل الأحوال فإن «حزب الله» في تكتيك «إغراءاته» يستعمل أداتين: الأولى هي الشعب اللبناني والثانية هي التلويح بأنه وحده القادر على تثبيت إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، مهدداً في الوقت عينه وبطريقة غير مباشرة بتحريك «الفئات الشعبية». ويربط «حزب الله» هذه الوسائل بهدف إيصال رسالة الى الطبقة السياسية أولاً وأخيراً يمكن اختصارها بأن الحزب قادر على لعب الورقة الأخيرة له متى استدعت الحاجة.
إذاً، لا شكّ في أن البيان الوزاري هو حجة «حزب الله» في تعطيل الحياة السياسية، وهو في الوقت ذاته الملجأ والمُعين الوحيد لإنقاذه. «الفرص لا تزال متاحة» بالنسبة الى «حزب الله» إنما طبعاً بشروطه التي لم تتغيّر، والتي لم يقبل بها فريق 14 آذار أيضاً، ولن يقبل بها اليوم. وما إشارة «حزب الله» الى «تداعيات بعض الإجراءات على الفئات الشعبية» سوى تخويف للفريق الآخر من إمكانية مواجهته في الشارع، وتحديداً على خلفية القرار الذي اتّخذه وزير الداخلية في شأن معملي الغاز.
لا شيء مستبعداً في هذه المرحلة الأصعب من تاريخ «حزب الله» ومقاومته. فهي «إرهابية» بنظر الاتحاد الأوروبي، وغالبية اللبنانيين تطالب باستراتيجية دفاعية وبتسليم «المقاومة» سلاحها، البيروتيون ذاقوا منها الأمرّين من قتل واجتياح في 7 أيار 2008، وبلغ التهديد أبناء الجبل، بالإضافة الى رفض الحزب تسليم المتّهمين في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما ستظهره المحكمة من أدلّة تدين بعض العناصر، هذا فضلاً عن التفجيرات التي قام بها «حزب الله» خارج لبنان ووقوفه الى جانب النظام السوري في قتل الشعب السوري. باختصار إنها سيرة المقاومة منذ العام 2005 حتى اليوم، فهل تستحق «المقاومة» أن يغطّي الشعب اللبناني أفعالها تلك؟ وبأي عين تتوجّه «المقاومة» الى الشعب ليحميها؟
لا تخجل «المقاومة» من طلب دعم اللبنانيين لها ولا سيما منهم أبناءها بما فيه «مصلحتهم» كما يقول البيان، والمعنى أن مصلحة اللبنانيين هي في حفاظهم على «المقاومة». إن راجعت «المقاومة» ذاكرتها ستجد الردّ على طلبها: هل حافظت «المقاومة» على علاقتها الأخوية باللبنانيين حتى تطلب منهم ذلك في المقابل؟ هل قتل هاشم السلمان يندرج ضمن «مصلحة اللبنانيين»؟ وهل إطلاق طائرة من دون طيار فوق معراب كذلك؟ وهل قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري يصبّ في «مصلحة اللبنانيين»؟ وهل التغطية على قتلة الرئيس الشهيد ورفض تسليمهم الى القضاء «ولو بعد 300 سنة» هو في «مصلحة اللبنانيين»؟
ماذا جنى اللبنانيون من هذه «المقاومة»؟ إن كانت الإجابة أنهم نالوا منها تحريراً من العدو وشهداء قدّموا حياتهم من أجل تراب الجنوب، فإن «المقاومة» استعرضت «عضلاتها» المستوردة ولعبت الدور المقاوم، الذي تلعبه في وجه العدو، أمام الشعب اللبناني، وكان لتلك الخطوة تأثير سلبي عليها في الداخل والخارج، فمحت «المقاومة» بطولاتها وتلاشى صيتها مع استعمال سلاحها في الداخل.
وفي إطار توجّه «الوفاء للمقاومة» الى اللبنانيين، لم تخلُ لهجة الكتلة من تهديد أو تحذير لتسليط الضوء على «المقاومة» من جديد بعدما خَفَتَ وهجها وجاء في البيان: «على اللبنانيين ان يدركوا أن مصلحتهم هي بالتمسك بمرتكزات الحماية للبنان أي المقاومة». تعرف «المقاومة» أن اللبنانيين ما عادوا يعتبرونها أهلاً للدفاع عنهم بعدما هاجمتهم، لذا فإنها ليست جذعاً من «مرتكزات الحماية»، وكيف تكون كذلك بعدما ذهب ضحيّتها آلاف من شباب لبنان في سوريا حفاظاً على كرسي الديكتاتور؟ ستعود كتلة «الوفاء للمقاومة» بعد دعوتها هذه للبنانيين بـ«سلّة فارغة» في وقت بات الشعب اللبناني على يقين بأن سلاح الجيش اللبناني وحده القادر على حماية لبنان واللبنانيين.
