#adsense

المقايَضة بين عون والحريري… وهمية

حجم الخط
سادت نظرية أخيراً تقول إنّ عودة الرئيس سعد الحريري إلى بيروت، واستطراداً السراي، شرطها القبول بالجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية، وإلّا البقاء في الخارج…
هذه النظرية تفتقد إلى الجدية والصدقية، وهي بعيدة عن الواقع والموضوعية للأسباب الآتية:

أولاً، «حزب الله» يفضّل أن يترأس الحريري الحكومة اليوم قبل الغد، لأنه يضمن عبره مزيداً من الفعالية في مواجهة الإرهاب، ولكنّ الحريري في غير وارد العودة اليوم إلى لبنان في ظل المخاوف الأمنية الجدية والنصائح الخارجية بالابتعاد عن بيروت في هذه المرحلة. ولكن لو عادت المسألة للحزب فهو لا يقبل بغير الحريري رئيساً للحكومة، لأنّ مصلحته تقتضي ذلك، على غرار مصلحته التي قضَت بإخراج رئيس «المستقبل» من الحكومة واستبداله بالرئيس نجيب ميقاتي.

ثانياً، مبدأ المقايضات وتوزيع الأدوار بين أمنيّ واقتصادي انتهى مع نهاية الحقبة السورية في لبنان، والسراي عادت كاملة لأصحابها وبيئتها وجمهورها مع زوال هذه الوصاية، ومحاولة «حزب الله» إعادة الزمن إلى الوراء مع الحكومة الميقاتية فشلت فشلاً ذريعاً إلى درجة اضطر معها الحزب للتراجع وإعادة القديم إلى قدمه. وبالتالي، لا أحد يستطيع أن يشترط على السنّة عموماً و»المستقبل» خصوصاً مَن سيكون في السراي.

ثالثاً، المقايضة بين عون للرئاسة والحريري للحكومة وهمية، لأن لا منافس لرئيس «المستقبل» داخل طائفته. وبالتالي، لا أحد يستطيع أن يُمَنّنه بإيصاله إلى الرئاسة الثالثة أو إيصال من يريد، فيما الوضع يختلف مع الجنرال، حيث أنّ توازن القوى داخل الطائفة المسيحية يحول دون تزكيته إلى منصب رئاسة الجمهورية. وبالتالي، لا أساس لهذه المعادلة بمجرد أنّ أحد أطرافها ليس في حاجة لمقايضة أيّ شيء مقابل وصوله أو تسميته مَن يشاء إلى رئاسة الحكومة.

رابعاً، الأحادية داخل الطائفتين السنية والشيعية جعلت مفتاح الرئاستين الثانية والثالثة محسوماً، فيما الوضع يختلف عند المسيحيين، واختلاف هذا الوضع، فضلاً عن غياب المقاربات الموحدة لدى المسيحيين، جعل مصير الرئاسة الأولى بيد المسلمين، الأمر الذي يقتضي تصويبه.

وتأسيساً على ما تقدم، فإنّ الكلام عن صفقة بين عون والحريري تتضمن توزيعاً للمسؤوليات بينهما يفترض ألّا يكون لها أيّ أساس من الصحة، لأنّ مفتاح السراي بجَيب الحريري بمَعزل عن عون و»حزب الله»، فضلاً عن أنّ العبور إلى الرئاسة الثالثة معبّد بدماء الشهيد رفيق الحريري وتأييد السواد الأعظم من السنّة لتيار «المستقبل». وبالتالي، لا وجود لأيّ صفقة، لأنه في مبدأ الصفقات لكلّ طرف مصلحة، وإذا كانت مصلحة عون تكمن بتأييد الحريري له رئاسياً، فلا مصلحة للحريري بالمقابل سوى بتحييد عون الذي لا يجب أن تكون كلفته أيّ تعهّد.

وأمّا إذا كان هناك من يعتقد أنّ إيصال عون إلى الرئاسة يؤدي إلى عزل «حزب الله» وتحويل المواجهة معه من سنّية-شيعية إلى مسيحية-شيعية من منطلق أنّ الجنرال رئيساً لا يمكن أن يقبل بمواصلة الحزب قتاله في سوريا واحتفاظه بسلاحه، فهذه مجازفة غير مضمونة، لأنّ مَن قال إنّ عون الذي انتقل من دور رأس الحربة إلى دور الوسيط يمكن أن يتحوّل مجدداً إلى دور المواجهة ولكن في اتجاه «حزب الله»؟ فضلاً عن أنه لا يجب الاستخفاف باحتمال أن يحافظ الجنرال على علاقته مع الحزب، فيكون الأخير نجحَ في إيصال رئيس للجمهورية يحظى بحيثية مسيحية حقيقية ومؤيّدة لخياراته الإقليمية وحاضنة لمقاومته، أي يكون الحزب نجح بتحقيق ما عجزت عنه الوصاية السورية.

وفي موازاة ذلك ثمّة مسألة جوهرية يجب أخذها في الاعتبار وتتعلق بالتوازنات داخل كل جماعة، حيث أن «المستقبل» انتفض، ومعه كل الحق، لدى دخول «حزب الله» إلى حديقته الخلفية لاختيار منها مَن يريد لرئاسة الحكومة، وبالتالي إيصال عون على رافعة مستقبلية يؤدي إلى الإخلال بالتوازنات داخل الجسم المسيحي، بينما من حقّ عون الطبيعي أن يخوض تجربته مُرشّحاً من قبل فريقه، فيما على الفريق الآخر أن يدعم خيارات حلفائه المسيحيين، لأنّ المواجهة الكبرى في البلاد المتصلة بالسيادة والاستقلال والعبور إلى الدولة لا يمكن أن تتحقّق إلّا عن طريق المسيحيين والمسلمين معاً، أي عن طريق التكافل والتضامن بين مكوّنات الحركة الاستقلالية وتعزيز كل مكوّن لحضور المكوّن الآخر ودوره، الأمر الذي يعني أنّ أيّ إضعاف لـ»المستقبل» يشكّل إضعافاً لمسيحيي 14 آذار، وأيّ إضعاف للمكوّن المسيحي داخل 14 آذار يشكّل إضعافاً لـ»المستقبل» نفسه.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل