كل ما كان كذبة إذاً، حتى لا يقال «مؤامرة»، وليس هنا بيت القصيد، إنما حتى الآن لم يستوعب الكثيرون فكرة تحول شباب لبنانيين إلى «ألعوبة»، ويموتون في أرض غير أرضهم، ولا يعرفون ما إذا كانت جثثهم ستعود إلى أرضها»؟ أو أن أرواحهم ستظل تحوم في السماء التي عاشوا تحتها، والتي لا ترتاح إلا في مكانها.
ربما لن يكون لهم قبور، تضع عليهم أمهاتهم وروداً أو ريحاناً، أو أصدقاء يعبرون ليقرأوا الفاتحة ويبكوا دمعتين.
يحدث أحياناً أن ينتصب كثيرون «مبرروين» لهذا الموت المجاني، تبريرات سياسية معروفة، لكن المدهش تلك التبريرات الدينية التي تقدس «القتل والاجرام». مضحكة مبكية، هذه المسرحية الدموية، فما الذي يبرر الجحيم الذي نشهده اليوم، حين يقضي شبان في عمر الورود، غرر بهم هنا وهناك. الماضي لن ينفع ولن يفيد البكاء على الأطلال.
خلال الحرب الأهلية، استشهد كثيرون، في كل يوم كان يسقط عزيز، أب، ابن، أخ، زوج، جار، رفيق، صديق، حبيب وبالعكس، كان الحزن ينزرع في القلوب حبة، حبة تنبت في كل حين، في لحظة تخضر عند كل فكرة، عند كل دمعة، أمام أي مصيبة أو فرحة، جميعهم لا يزالون أحياء في القلوب، من خلال صورهم الموجودة داخل بيوت أحبائهم، فلا هم ماتوا ولا الأحباء نسوا رغم تراكم الوجع على مر السنوات، لكن الذاكرة لم تخضر مرة من دونهم، ربما هذا ما جعل ثورة الارز تتفجر عندما تم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ذاكرة اللبنانيين التي لا تريد العودة الى زمن وطن ليس فيه الا ميادين قتال وساحات فارغة ومتاريس تعلو ومناطق تعيش فيها الاشباح ومقاتلون بعضهم حمل قضية وآخرون جُنِّدوا اطفالاً فلم يكن هناك من مفر سوى الغفران لهم «لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون».
لكن اليوم يبدو أن التجربة تتكرر، الأمر أكثر خطورة من قبل، هذه المرة ممنوع أن يخرق الأهل على ولدهم اذا قتل في سوريا، ليس عليك بمقدورهم حتى ان يودعوه بكلمة. يكفي أن يخطب مشايخ المكتب السياسي للحزب، في حشد يزيد البكاء ولكن يكبت المشاعر مرغماً، فالكلمة للسياسة التي يضعها مسؤولو الحزب، وتلك ليست مفارقة ابداً.
عندما حصلت حرب تموز واستشهد الكثيرون في «مقاومة» اسرائيل على غير هدى، لأن هناك من لم يكن يعلم، لم يكن الحزب كما اليوم، تغير الناس، سألت ما بال الاهل، ما هكذا عرفهم الجميع، كانوا عاطفيين يذوبون رقة وحناناً، يبكون، يصرخون، يتألمون، لماذا يدفنون شبابهم وفلذات أكبادهم ولا يسألون؟. يقول البعض ان كثيرين فتشوا عما ربحوه، تعويضاً، مدرسة للأولاد، جامعة، سيارة، شقة، راتب تفرغ، زواج «متعة» ربما؟ هل هذا يزيل صورة فقيد غال، المؤلم اكثر ان يجند ابناء هؤلاء في مدارس ومن ثم في مخيمات التدريب العسكري و«يتثقف» سياسياً في أكاديمية «الولي الفقيه» من أجل ان يصبح «مرتزقا» في سوريا. لكن بالطبع هناك من يعتقد انه على الطريق الصحيح يمارس قناعات معينة ومع هذا، هل يجوز الثبات على الخطأ؟
بالأمس، كانت صرخة فاطمة العبد الله تعيد الزمن الى الوراء، تكتب عن أخيها الذي قضى في سوريا، عن رجليه اللتين قادتاه بارادته الى هناك، لم تناقش خياره، احترمته ولكن ذلك الوجع الذي انغرس في روحها كيف له ان يغادر؟.
فاطمة العبد الله فتحت الجرح واسعاً، ومثل هذا النوع من الجرح لا يخاط الا بخيوط من النبل الانساني، دعوها تصرخ وجعها واصرخوا معها، لعل من ضل الطريق يوما يسمع ويهتدي الى هذا الصوت الصادق الرافض للكتم والراغب في الانعتاق من أسر طال.