كان 8 آذار يوماً عاديا حتى تاريخه من العام 2005. بعد الاغتيال السياسي الذي أودى بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، شاء الولاء الخارجي لـ»حزب الله« أن يعلن تلازم مساره مع مسار حزب «البعث» السوري وارتباط مصيره بمصير آل الأسد الذين حكموا لبنان بالحديد والنار طيلة 30 عاماً من الخطف والقتل والاغتيال والتنكيل.
الالتزام مع الخارج حتّم الانفصال عن الداخل، لم يكن الالتزام سياسة حديثة ولا الانفصال مفاجئاً. كل ما في الأمر أنه في تاريخ 8 آذار 2005 أظهر الفريق الآخر نيّاته الى العلن، باح بها على الملأ حين خرج عن صمته معترضاً على الخروج السوري من لبنان وتعبيراً عن رفضه قرار الأمم المتحدة رقم 1559 الذي يدعو الجيش السوري الى الانسحاب من لبنان.
8 آذار هو يوم الشؤم بالنسبة الى غالبية اللبنانيين، نزل فيه قسم من اللبنانيين الى الشارع ليهتفوا «شكراً سوريا»، دونما تعاطفٍ، وإن شكلي، مع شركائهم في الوطن، ولم تكن قد مضت أيام على اغتيال رئيس الحكومة الذي أعاد إعمار لبنان والكل كان مفجوعاً برحيله. أرادوا أن تحقق تلك التظاهرة شرخاً عمودياً بين اللبنانيين، أن تكون التظاهرة «التي قصمت ظهر البعير»، فمن كان يتخيّل أن يرفع مواطن لبناني صورة «القائد» السوري بشار الأسد في وسط ساحة رياض الصلح وأن يهتف بأعلى صوته وفاء له ولنظامه «نعم للقائد بشار الأسد».
«شكراً سوريا« يردّدها الممانعون يومياً منذ تسع سنوات وما هي مكتسباتهم الشخصية وكيف أفادوا لبنان؟ البلد الصغير القائم على السياحة فَقَد ثقة العرب والسياح بأمنه بعدما تتالت الاغتيالات، ارتفع الدين العام، تراجعت نسبة النمو الاقتصادي، ارتفعت الأسعار، وضرب الفساد مؤسسات الدولة، وتفرّدت «القمصان السود» بالقرار فكان 7 أيار يوماً معيباً وليس «مجيداً«، وها هو لبنان اليوم يخسر شباباً من الطائفة الشيعية أرادوا أن يشكروا بشار الأسد على طريقتهم بمباركة الحزب الذي يفترض به أن يحافظ عليهم باعتبارهم أبناء لبنان.
اليوم «تتكامل سوريا مع المقاومة في لبنان» على حدّ قول سفير النظام السوري في لبنان علي عبدالكريم علي، فالحزب والنظام وجهان لعملة واحدة، ليس لديهما ما يخسرانه لأنهما لا يملكان شيئاً. فهل يملك الحزب الدولة اللبنانية؟ طبعاً لا، لكنّه يسعى من دون شك الى السيطرة عليها… لذا يظهر الحزب عدائية للشعب اللبناني والتزاماً مع النظام السوري، فإذا خسر الحزب النظام يكون قد خسر العالم بأسره وهذا ما ينطبق على النظام أيضاً. «عليّ وعلى أعدائي» هكذا يعلن الثنائي الحرب بسلاح إيراني، وفي هذه الحرب لن يحتاجا محلياً، أو من «الإنتاج» المحلي سوى الى دروع بشرية، يحتميان خلفها، هكذا لن يخسرا سوى ما ليس لهما وهذا يعني أن الربح بالنسبة إليهما هو مجرّد حظّ.
في يوم 8 آذار، كان الممانعون على مرمى حجر من قوى 14 آذار وتجمّعاتها الحاشدة في ساحة الشهداء، ومنذ ذلك الحين شهروا سلاحهم غير الشرعي في وجه من طالبوا ببسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها. لم تخاطر قوى 14 آذار بشبابها وجمهورها لأنها وبكل بساطة تنتمي الى الدولة والمستحيل واجب عليها حتى لا تخسرها، ولأن جمهورها يتمتّع بالمواطنية الصالحة التي تمنعه من أن يرفع شعاراً أو لافتة أو صورة لزعيم لا يشبه الثقافة اللبنانية الطيبة والسموحة والمضيافة.
خرج النظام السوري الأمني المخابراتي من لبنان وترك فرعه لينوب عنه، فبدل أن يُقتل رمزي عيراني ويترك في صندوق سيارته، ضُرب هاشم السلمان وتُرك حتى لفظ أنفاسه الأخيرة أمام السفارة الإيرانية مع ما يعنيه المكان من رمزية التبعية والارتباط بالولي الفقيه في إيران والنظام السوري في سوريا. وبدل أن تجتاح «القمصان السود» شوارع بيروت وصولاً الى أطراف الجبل، ها هي تستبيح كل المناطق السورية وتشتبك في القتال مع المعارضة دون التكفيريين فوقع ضحيّتها كل الشعب السوري.
قبل 8 آذار 2005، كان لبنان والعالم العربي وعلى رأسه فلسطين، الكل تعرّض لعملية غشّ كادت أن تطول مدّتها لولا أن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري فضحها. منذ ذلك الحين ظهر اللون الرمادي على حقيقته فإذا به أسود داكن لم تنجح التجربة المشتركة من العذاب والقتل والدمار في تبديل لونه. مع الممانعة الأسود بقي أسود، وإن كان بعضها يحاول اليوم تضييق الخناق على لبنان ومحاصرة اللبنانيين بثلاثيات «القمصان السود»، فلأنها «الخرطوشة» الأخيرة في سلاحهم غير الشرعي.