“الهديّة” الثمينة والبليغة التي تلقّتها “8 آذار” بقيادة “حزب الله” في عيدها ( تأسّست في 8 آذار 2005 خلال مهرجان الشكر للنظام السوري)، جاءت من رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان في إشارته إلى “إعلان بعبدا” واحترام “الحبر الذي يكتب التاريخ والهويّة”، وفي كلامه على الرئيس القوي بعدم “خضوعه لإملاءات حزب الله” وعدم ضرورة تمتّعه بكتلة نيابيّة.
كلام بماء الذهب وحبر التاريخ يضع “8 آذار” بكلّ مكوّناتها أمام حقيقتها، ويضع اللبنانيّين أمام حقائق واقعهم ومستقبلهم.
وفي عمق هذا الكلام يفضح الرئيس لعبة التمايز بين “حزب الله” وميشال عون، والتي يحاول الأخير تسويقها من خلال القول إنّه ليس من “8 آذار” بل متحالف معها.
وقد أثبت الواقع السياسي والميداني والارتباط الاستراتيجي والمالي، منذ 8 سنوات، أنّهما جسمٌ واحد برأس واحد وتديرهما مرجعيّة واحدة، فتكلّف الأوّل تنفيذ مشروعها بالسلاح، وتكلّف الثاني دوراً سياسيّاً ما في مرحلة ما، كما هي الحال الآن في تودّد عون إلى سعد الحريري تحت جاذبيّة الاستحقاق الرئاسي.
ولم يكن مصادفة تزامن زيارة المسؤول الإيراني بروجردي، واستضافة أبادي عون وبطانته إلى عشاء، وزيارة سفير النظام السوري ع . ع . ع إلى الرابيه في غضون 48 ساعة.
هذه الوقائع ومدلولاتها لا تغيب عن مراقب عادي، فكيف عن رئيس الجمهوريّة الذي يُمسك بخيوط العلاقات في الداخل والخارج. فكان لا بدّ من أن يضع النقاط على حروفها، فجاءت تصريحاته الأخيرة في باريس وبيروت حاسمة وقاطعة في كشفها.
إذاً، تلقّى “حزب الله” وتوابعه، في عيدهم التاسع، إصابة مباشرة ومؤلمة بواقعيّتها، ولا يستطيعون الردّ عليها إلاّ ببيان هابط شبيه بسابقه وبتحريك كَتَبتهم المتخصّصين بالشتم والتحقير.
قد تحصل تسويات إضافيّة، سواء في الصياغات البهلوانيّة للبيان الوزاري والثقة المركّبة بالحكومة. وقد يبتلع الحاملون على الرئيس ألسنتهم بنصيحة خارجيّة. وقد يُصار إلى إحياء طاولة الحوار العقيمة إنقاذاً للشكل.. لكنّ الحقيقة العارية لفريق “8 آذار” في ذكراه التاسعة غير قابلة للسترة والتمويه.
وبعد مذكّرة بكركي، وضع الرئيس سليمان مواصفات خليفته في سدّة الرئاسة: غير خاضع لإملاءات “حزب الله”، قويّ بموقفه الملتزم ثوابت لبنان ودستوره ومرجعيّة دولته لا بخدعة تمثيله النيابي والشعبويّة المترجرجة، متمسّك بالقواعد التي أرساها “إعلان بعبدا” كنصّ تاريخي، وفي مقدّمها تحييد لبنان عن الصراعات.
على الرئيس الجديد أن يبدأ من هذه الثوابت – الوصايا، ومن إعلان بعبدا تحديداً. فهل لدى مرشّحيّ “حزب الله” شيءٌ منها؟
إختبارات كثيرة تنتظر مرشّح “8 آذار” بعد فشله في اختبار البيان الوزاري وتأييده اللفظي لمذكّرة بكركي، أقربها الآن في القاهرة، في موقف الخارجيّة اللبنانيّة من مفهوم سيادة لبنان وتحييده عن الصراع السوري، ومن تورّط “حزب الله” في الحرب السوريّة مع احتفاظه بلقب : “مقاومة”.
الوزير السابق عدنان منصور أورث سلفه موقفاً من شغل الحزب ومرجعيّتيه، فهل يستطيع الخلف التحرّر من نصّ السلف؟
حتّى الآن، لم يكن في مقدور عون الفكاك من التزامه توقيعه على “التفاهم” الشديد الخطورة. وكلّ ما ناور به في التمايز لم يتعدَّ التفاصيل المحليّة غير المهمّة مقابل التزام مطلق لمشروع إيران – الأسد – “حزب الله” بوجهه الداخلي الانقلابي ووجهه الخارجي في الحروب من إسرائيل إلى سوريّا.. إلى العرب والعالم!
وإذا كانت اللغة ستُسعفهم في صيغة البيان الوزاري، فإنّها ستكشفهم في صيغة الموقف اللبناني في مؤتمر القاهرة والقمّة العربيّة في الكويت. وقد بدأ انكشافهم بالتلميح إلى صيغة غامضة وهروب لغويّ يتضمّن كلمة “مقاومة” كأخفض سقف يسمح لهم به الوليّ!
المناورة والرقص على الحبال باتا في نهايتهما.
والرئاسة اللبنانيّة تطلب أقوياء في الالتزام والموقف، لا مناورين ولا راقصين.
تطلب من يكتب التاريخ والهويّة بحبر الذهب، لا من يسفح ماء وجهه أمام من يسفك دماء لبنان.