#adsense

جنوبيون “يتحسّرون” على.. زمن المقاومة

حجم الخط

لم يعد هناك من مصطلح في قاموس جمهور «حزب الله» اسمه «المقاومة الإسلامية»، فزمن المقاومة الفعلية بالنسبة الى هذا الجمهور أو بعضه قد ولىّ الى غير رجعة والذي يجري الحديث عنهم اليوم ليسوا سوى شُبّان أجبرتهم قيادتهم على الموت خارج حدود أرض ما زالت تشهد على زمن رجالات مرّت عليها وانتصرت وعلى دماء طاهرة سقطت لأجلها فأزهرت.

العدو الحالي مصطنع وأسباب وجوده تزول مع زوال الخطر عن بعض الأنظمة المعنية بشكل مباشر بما يجري على الساحة السورية اليوم. كثيراً ما يتردد هذا الكلام وما يُشبهه خلال الفترة الحالية على ألسنة أُناس حضنوا لعقود من الزمن عمل «المقاومة» على أرض الجنوب فكانوا أهلاً لها لا بل أسيادها، هذه الأرض التي لا تزال تنتظر عودة أبنائها المشتتين ليُناصروها فتنصرهم بالحق والإيمان بقضية أو بوطن لا برئيس أو نظام.

في قرية بنت جبيل الجنوبية التي شهدت أشرس المعارك خلال عدوان تموز في العام 2006، يسأل الأهالي عن رجال منذ فترة طويلة لم يعودوا يلحظونهم بينهم، ويتحسّرون على زمن مضى حمل فيه هؤلاء الرجال شعلة نصر الأمة كلّها بمذاهبها وطوائفها، وبعضهم يقول «كنا نشعر بالأمان والطمأنينة لمجرد رؤيتهم بيننا، كانوا عزّنا وفخرنا، رفعوا رؤوسنا عالياً في مواجهة العدو الإسرائيلي لكننا اليوم نفتقدهم ونفقدهم الواحد تلو الآخر، وأكثر ما يعزّ علينا أن رحيلهم اليوم يأتي في زمن تتلاعب فيه السياسة بالعزّة والكرامة وشهادة الأبطال».

ما يُقال في بنت جبيل ينسحب على عدد من القرى الحدودية الأخرى ومنها بلدة مارون الراس حيث لأبناء هذه البلدة ألف حكاية وحكاية مع العدو الإسرائيلي، يقول أحد ابنائها «من هنا جاء انتصار تموز ومن هنا نسجنا بطولات تحدث عنها كل العالم، لكننا اليوم أصبحنا نسياً منسيّاً والدماء التي قدمناها في السابق لم نستطع الحفاظ على قداستها بعدما تحوّلنا الى إرهابيين بنظر عدد كبير من أبناء الشعب السوري الشقيق من جرّاء تدخلنا في الحرب على أرضهم وما ينتج عن هذه الحرب من ويلات ومآسٍ تطالنا وتطالهم على حد سواء».

في هذه البلدة الصغيرة المشرفة على المستعمرات الإسرائيلية تقف سيدة عجوز على تلّة بالقرب من منزلها وتشير بيدها الى حركة المزارعين في الداخل الإسرائيلي فتقول «الله يقصف عمرهن» فهؤلاء، كما أوحت، لم يكونوا يتجرأون على الظهور العلني بهذا الشكل في زمن المقاومة الفعلية، «جلّهم كانوا يستخدمون عمالاً فلسطينيين خوفاً من أن تنالهم رصاصات الشباب وكنا نسمع بعضهم يصرخ من هناك عبر مكبرات الصوت طالبين عدم التعرّض اليهم كونهم فلسطينيين، لكن اليوم وكما ترونهم يسرحون من حقل الى آخر لعلمهم أن المقاومة منشغلة عنهم».

من سيدة عجوز سقط لها حفيدان في زمن المقاومة الوطنية الى «حديقة إيران» التي بنتها إيران بعد حرب تموز مباشرة على أعلى تلّة في مارون الراس والتي تطل بشكل مباشر على مستعمرات «مسكاف عام»، «مرغليوت» و«أفيديم»، مشاهد تُشعر الزائر وكأنه في زيارة فعلية لمحافظات إيرانية، فهنا مضافة صغيرة أطلق عليها محافظة بوشهر وأخرى طهران وصولاً الى أذربيجان الشرقية حتى يصل تعداد المحافظات داخل الحديقة الى ما يُقارب الخمسين تقريباً إضافة الى مجموعة صور للجزر الثلاث التي كانت احتلتها إيران من دولة الإمارات العربية والتي تقع بحسب الكتابات الموضوعة عليها ضمن ما يُطلق عليه «الخليج الفارسي».

عند إحدى التلال العالية المطلة على المستعمرات وقفت مجموعة من الطالبات لالتقاط بعض الصور، ضجيج لم يُسيطر عليه سوى شروح حول طبيعة الأرض المتلاصقة والمعارك التي دارت رحاها على هذه البقعة لمدة ثلاثة وثلاثين يوماً على لسان أحد الشُبّان، «كنا ننقض عليهم من كل الجهات، كانت أصواتنا ترعبهم وتكبيراتنا ترهبهم»، أخبرهن عن الكمائن التي نصبوها وعن واقعة الدبابات التي دمّروها للجيش الإسرائيلي، «كنّا بالنسبة إليهم كالأشباح، منعنا طائراتهم من التحليق فوق هذه القرى وأسقطنا عدداً منها»، ويستفيض في شرحه فيُخبر عن ساعات الانسحاب بعدما اشتدت عليهم الضربات «كنا نعوّل على مجموعة من الشباب في قرية «يارون» الملاصقة تماماً لبلدة مارون الراس، لكنهم انسحبوا قبل أن تأتيهم الأوامر».

يتلخّص شعور عدد كبير من الجنوبيين وتحديداً الذين يسكنون الشريط الحدودي بسؤال توجهت به إحدى الطالبات للشاب الذي تولّى مهمة الشرح عن مقاومين كانوا قد واجهوا كل هذا الجبروت الإسرائيلي لحظة قال إنهم حاضرون في كل لحظة يُطلب منهم الاستعداد لأي طارئ، «أين هم اليوم في سوريا»؟ يضحك «المُعرّف» ويتجاهل سؤال الفتاة ليُدير بعدها ظهره للمستوطنات ويرحل تاركاً في البال ألف سؤال وسؤال، وكأن وجود المستعمرات لم يعد يُشكل خطراً بعدما أضحت المعركة في مكان آخر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل