الأزمة مع قطر.. قضية عربية بامتياز!

 

الأزمة بين السعودية والإمارات والبحرين مع قطر ليست مشكلة خليجية وحسب، بقدر ما هي قضية عربية بامتياز، لأن تجربة مجلس التعاون الخليجي هي الرئة الوحيدة الباقية للنظام العربي، بعد الترهل الذي أصاب جامعة الدول العربية، وانهيار خطوط الدفاع القومي، بسبب الأحداث العاصفة في مصر وسوريا والعراق، ودول عربية أخرى.

ولا نغالي إذا قلنا أن القلق العربي من اندلاع الأزمة مع قطر، لا يقل عن التوجّس الخليجي من مخاطر وتداعيات هذه الأزمة، في حال عدم نجاح المساعي المبذولة لتطويقها، وللحؤول دون انزلاق تطوراتها الدراماتيكية إلى ما هو أسوأ في العلاقات الخليجية خاصة، وعلى مستوى الوضع العربي المُربَك عامة.

الأجواء السائدة في الرياض وأبو ظبي ليست بعيدة عن مناخات الاحتواء والتهدئة، في حال تجاوبت الدوحة فعلاً، في إدراك مخاطر التصدّع الخليجي، وعملت بجدّية على معالجة الأسباب التي أوصلت العلاقات الخليجية – القطرية إلى حافة الانفجار، والتزمت المواثيق والاتفاقيات الموقّعة بين دول مجلس التعاون، ولا سيما ما يتعلق منها بعدم تدخل أي دولة بشؤون الأخرى، والعمل معاً لحفظ أمن دول المنطقة واستقرارها.

ومما يزيد من مخاطر الأزمة الخليجية المستجدة، اعتباران أساسيان، لا يمكن إغفال أهميتهما في سياق المعالجة المجدية:

 {{ الأول: إن الأزمة ليست وليدة الساعة، ولا هي بسبب موقف طارئ، أو تباين عابر بين الدوحة والعواصم الثلاثة الناشطة. بل هي نتيجة مجموعة من التراكمات والسياسات التي حاولت قطر  أن تميّز مواقفها من القضايا الساخنة في المنطقة، ولو على حساب وحدة الموقف الخليجي، وبعيداً عن روح التنسيق والتضامن التي كانت تطبع دائماً مواقف دول مجلس التعاون.

ولعل تفرّد الدوحة بالأمس بإقامة محور مع طهران ودمشق، في ذروة خلاف هاتين العاصمتين مع المجموعة العربية، وخاصة المملكة السعودية ودول الخليج، يبقى في صلب الخلافات المزمنة مع الدوحة.

وجاء الدعم القطري المطلق للإخوان المسلمين في مصر خاصة، وبقية دول المنطقة، ليصبّ الزيت على نار الخلاف مع الشقيقات الخليجيات، خاصة بعد الانتفاضة الشعبية المصرية، المدعومة من الجيش، التي أسقطت الرئيس الإخواني محمّد مرسي، وأطلقت نجم المشير السيسي.

 {{ الاعتبار الثاني: إقدام الرياض وأبو ظبي والبحرين، على اتخاذ المزيد من الإجراءات الردعية ضد الدوحة، مثل العقوبات الاقتصادية، وقطع العلاقات الدبلوماسية، أو تجميد عضويتها في مجلس التعاون، في حال استمرت الحكومة القطرية في تغريدها خارج السرب الخليجي، ولم تعالج المواقف والإجراءات التي أوصلت العلاقات مع أكثر من نصف دول الخليج العربي إلى هذا التأزم، غير المسبوق في تاريخ علاقات دول المنطقة.

ليس دقيقاً الكلام القطري الذي اعتبر أن موضوعات الخلاف مع الدول الثلاث، لا علاقة لها بمصالحهم، بل تعود إلى اختلاف في المواقف حول بعض القضايا الواقعة خارج دول مجلس التعاون، لأن كل الأشقاء الخليجيين يُدركون أن القضايا المختلف حولها، تنعكس سلباً على أمن دول مجلس التعاون، وعلى استقرار منطقة الخليج، إلى جانب المآخذ على الدوحة عدم التزامها ببنود ونصوص الاتفاقيات الأمنية الخليجية المشتركة، والتي كان آخرها ما صدر عن قمة الكويت قبل حوالى ثلاثة أشهر!

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي بذلها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد لاحتواء الخلافات الخليجية مع قطر، ولإعادة الدوحة إلى أجواء مجلس التعاون، سواء عشية انعقاد القمة الخليجية، من خلال اللقاء الثلاثي في الرياض الذي جمع إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز الأمير صباح والشيخ تميم بن حمد أمير قطر الشاب، في تشرين الثاني – نوفمبر الماضي، والذي انتهى بتوقيع اتفاقية ثلاثية، تشدد على الالتزام بالمعاهدات الأمنية الخليجية، ووحدة الموقف الخليجي من الملفات المطروحة، فضلاً عن عدم تدخل أي دولة في شؤون الدول الأخرى الداخلية.

وقام أمير الكويت بمحاولة أخرى، أثناء انعقاد مجلس وزراء خارجية التعاون في العاصمة الكويتية الشهر الماضي، حيث استضاف الأمير تميم بن حمد، وكانت فرصة لتعميق المحادثات التي جرت على هامش لقاء الوزراء الخليجيين، غير أن الرياح الخلافية جرت على غير ما تشتهي المساعي الكويتية.

ولعل تريّث الكويت، رئيسة الدورة الحالية للقمة الخليجية، ورئيسة القمة العربية المقبلة، في حسم موقفها من «المسألة القطرية»، مرده إلى حرص أميرها الدائم، وهو المعروف بخبرته وحنكته الدبلوماسية الطويلة، على إطفاء نيران الخلافات مع قطر، قبل أن تستفحل، وتبلغ نقطة اللاعودة، حيث سيكون ضررها كبيراً، ليس على منطقة الخليج وحدها، بل على النظام العربي برمته.

وأخيراً، لا بدّ من التأكيد بأن لا مصلحة لأحد من دول الخليج، ولا أية جهة عربية، في استفحال الأزمة الخليجية مع قطر، والتي يصبّ استمرارها في مصالح المتربصين بالأمة شراً.

لذلك، يبقى من الأهمية الإسراع في تطويق هذه الأزمة، ووضعها على سكة الحل الاستراتيجي، واستعادة قطر إلى خط الإجماع الخليجي، وإحياء سياسة التضامن العربي.

ما جرى حتى الآن.. هو جرس إنذار دق ناقوس الخطر للتنبيه إلى ما يحيط بتجربة مجلس التعاون الخليجي.. آخر قلاع العمل العربي المشترك.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل