#adsense

روسيا ليست «دولة أمّة» وكذلك أوكرانيا

حجم الخط

 

 

ليس الإتحاد الروسي «دولة أمّة» كي يكون بإمكانه التسليم بالواقع السياسي الجديد المناوئ له في كييف، لأنّه واقع يضع كيان الإتحاد الروسيّ على المحك، فإن كان «فائض التشابه الحضاريّ» غير قادر على نظم علاقة «حميمة» بين موسكو وبين كييف فماذا سيقال حينها بالنسبة الى مناطق في طول «الإتحاد الروسي» وعرضه مختلفة عرقياً واقليمياً عن روسيا الغربية واوكرانيا على حد سواء؟

خروج كييف من الفلك الهيمنيّ الروسيّ يطرح بحدّ ذاته اذاً احتمالات «طاردة» في داخل «الاتحاد الروسيّ»، وفي أقل تقدير يعيد طرح السؤال عن حقيقة الفدرالية التي يعتنقها هذا الإتحاد وامكانية تكاملها مع المركز التسلّطي في «العاصمتين»، موسكو وسانت بطرسبرغ.

بالتوازي، ميزة «الغلواء القومية» انها معدية. فكلما قويت الشوكة الألترا – قومية في شوارع كييف ولفوف، وعلى ألسنة الحكم الجديد، كلما قويت الشوفينية القومية الروسية بدورها أيضاً. وفي الحالتين، يجري التحرّك بين واقعين مربكين: فلا «الإتحاد الروسي» دولة – أمة، لأنه يريد أن يكون «دولة متجاوزة للأمة الروسية» و»أمة روسية متجاوزة للدولة» في وقت واحد، ولا اوكرانيا نجحت في أن تكون دولة – أمّة، طالما أنّ ربع قرن من الاستقلال لم يسعف نخبها في التفتيش عن أرضية لتعاقد وطني تعددي يقرّ واقع الازدواجية اللغوية والتعددية المناطقية على ما هو عليه. فمبالغة النخب القومية والليبرالية الأوكرانية في محاولة فرض نموذج تعسّفي اندماجي للدولة الأمّة، وفاقد لشروطه، هو الذي يعوق استتبابها هناك ويمهّد لانشطارها. أما روسيا، فانها عاشت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي مفارقة خطيرة، وهي ان تياراتها السياسية كادت تختلف على كل شيء باستثناء الموقف من اوكرانيا. هناك اجماع روسي على اختلاف التلاوين الأيديولوجية، على موقف سلبيّ من الاستقلالية الأوكرانية، وعلى النظر اليها كتهديد كياني للرابطة الاتحادية الروسية نفسها.

التقاء هاتين المفارقتين لا يمكنه أن يستولد مساراً سبقت رؤيته لأزمات ومواجهات حدثت في مكان وزمان سابق. مع ذلك، يبقى شبح سحق ربيع براغ بالدبابات مخيماً، وكذلك ذاكرة تأديب جيورجيا بالطائرات قبل ست سنوات.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، سيبين الأرشيف ان الزعيم ليونيد بريجنيف لم يكن «يكذب كثيراً» يوم جمع قادة اوروبا الشرقية وقال لهم انه تلقى تقارير ومناشدات خطية من الجناح المحافظ في الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي يدعوه للتدخل تحاشياً للحرب الأهلية. وقتذاك كان ثمة أيضاً مكان للنعرة القومية على خلفية سعي «الشيوعيين السلوفاك»، ومنهم الكسندر دوبتشك، لانهاء هيمنة «الشيوعيين التشيك».

اليوم أيضاً يتحدّث الروس عن مناشدات. من الرئيس المعزول ومن المناطق الشرقية ومن برلمان القرم. والشقاق الأهلي والمناطقي أخطر بكثير مما في الحالة التشيكوسلوفاكية. لكن الاختلاف المشهدي يبدأ من هنا أيضاً. فدبابات «حلف وارسو» يوم دخلت براغ كان لديها نموذج لنظام «ديموقراطي شعبي» محدود السيادة تريد اعادة فرضه، وهي فرضته بتكلفة دموية متواضعة جداً مقارنة بالتدخل السابق في بودابست، وهذا غير متوفر لدى موسكو اليوم، لا من جهة النموذج الذي يمكن فرضه، ولا من جهة التكلفة الدموية التي لا يمكن أن تكون متواضعة.

أما «التأديب»، جرياً على أمثولة جيورجيا فيفترض وضعية معكوسة. الجيورجيون هم الذين خرقوا «الخط الأحمر» الروسي في اوسيتيا الجنوبية، في حين ان الروس هم الذين خرقوا القانون الدولي في شبه جزيرة القرم وليس بمقدور السلطات الأوكرانية الحالية أن توقف هذا الخرق، فعلى ماذا ستؤدّب؟!

مع ذلك، مخطئ من يضمن لواقع متوتر كهذا تصريفاً ديبلوماسياً سلمياً ليس الا. المواجهة بين استحالة «الدولة الأمة» روسياً وبين استحالتها اوكرانياً هي بالفعل مواجهة «قد لا تحمد عقباها».

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل